من طريق النقل" انتهى.
ولا يخفى على من له أدنى علم وفهم أن ما زعمه الصواف في معنى الآيتين من سورة ﴿يس﴾ لم يكن من طريق النقل الثابت، وإنما هو تخرص وتخبط بمجرد الرأي فهو بذلك متعرض للوعيد الشديد.
الوجه العاشر: أن يقال من الخطأ ما يستعمله الصواف وكثير من العصريين من إضافة القول إلى القرآن أو إلى بعض الآيات منه كقول الصواف في صفحة ٤٢ (إذ تقول الآية أن المجموعة الشمسية إلى آخره) وقوله في صفحة ٤٣ (هذا قول القرآن). وهذا الصنيع منه خلاف ما كان عليه - ﷺ - وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وكذلك التابعون وتابعوهم بإحسان فإنهم ما كانوا يقولون قال القرآن كذا ويقول القرآن كذا. ولا قالت الآية كذا وتقول الآية كذا، وإنما كانوا يقولون قال الله كذا ويقول الله كذا. فيضيفون القول إلى قائله المتكلم به وهو الله تعالى، والقرآن كلام الله وقوله، وليس الكلام هو المتكلم القائل حتى يضاف القول إليه.
ولعل السبب في إضافة كثير من العصريين القول إلى القرآن أو إلى بعض الآيات منه هو ما كان عليه بعضهم من الميل إلى قول الجهمية في القرآن أنه مخلوق، وأن الله تعالى لا يتكلم ولا يقول فهم لذلك يقولون قال القرآن كذا ويقول القرآن كذا وقالت الآية كذا وتقول الآية كذا فرارا من أن يقولوا قال الله ويقول الله، ومن لم يكن منهم على رأي الجهمية فهو مقلد لمن كان على رأي الجهمية في العدول عن إضافة القول إلى قائله، والله أعلم.
فصل
قال الصواف في صفحة ٤٢ وحركة الأرض وردت في غير هذه الآية
[ ١٠١ ]
فيقول المولى سبحانه في سورة النمل ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ فضرب الله المثل بحركة الأرض بمرور الجبال وهي أبرز ما عليها، وليس ذلك في يوم القيامة إذ يقول جل شأنه أن في القيامة لن تكون هناك جبال ففي سورة طه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ وفي سورة الواقعة ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾.
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال لم يرد في القرآن ما يدل على حركة الأرض بوجه من الوجوه، وما زعمه الصواف وأشباهه في الآية من سورة النمل وغيرها من الآيات أنها تدل على حركة الأرض فكله من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَاتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ وفي هذه الآية تهديد شديد ووعيد أكيد لمن ألحد في آيات الله تعالى ووضع كلامه على غير مواضعه.
وهلا قرأ الصواف ما قبل الآية وما بعدها حتى يعلم أنه لا متعلق له في الآية الكريمة وإن ما ذكر فيها من مرور الجبال مثل السحاب إنما يكون بعد النفخ في الصور وليس قبله.
وهلا قرأ قول الله تعالى ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وقوله تعالى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ إلى قوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. وقوله تعالى ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَاتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ ففي هذه الآيات أوضح دليل على أن
[ ١٠٢ ]