وفيما ذكرته من الآيات والأحاديث دليل على أن النجوم تجري وتسبح في الفلك كما تجري الشمس فيه والقمر.
وفيها الرد على من زعم أنها مرصعة في السماء.
وأما قوله: فإن شمسنا مرصعة في ملايين الآفاق المحيطة بالكرات.
فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال أن الشمس تجري وتسبح في الفلك وتدور على الأرض كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وقد ذكرتها في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك. وما كان جاريا على الدوام فليس مرصعا في شيء من الآفاق فضلا عما هذى به طنطاوي جوهري من كونها مرصعة في مئات الملايين من السموات.
الوجه الثاني: أن مراده بملايين الآفاق المحيطة بالكرات أن كل كوكب من الكواكب التي تعد عنده بمئات الملايين له سماء تخصه. وأن كل أرض من الأراضين التي تعد عنده بمئات الملايين لها سماء تخصها. وأن كل سيارة من السيارات التي تعد عنده بمئات الملايين لها سماء تخصها. وقد صرح بذلك في قوله ثم هي من جهة تجعل زينة في سماء كل شمس وكل أرض وكل سيارة. وقد تقدم رد هذا الهذيان قريبا فليراجع.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٩٧ - ٩٨ ما نصه:
البروج التي في قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ هي النجوم العظام في هذا الفلك العظيم منها ما نراه بأعيننا المجردة. ومنها ما لم يصل نوره إلينا حتى الآن. لذا فهي لا ترى حتى بالمكبرات والمراصد الكبيرة الحساسة.
[ ٢٣٨ ]
وقول علماء الفلك أن من النجوم نجوما سوف لا يصل نورها إلى كرتنا الأرضية في أقل من ألف وخمسمائة مليون سنة ضوئية. مع العلم بأن الضوء يسير في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر. ويصل في سيره إلى القمر في قدر ثانية وثلث الثانية. ولو جرى حول الكرة الأرضية لدار حولها في الثانية الواحدة ثماني مرات. ولو أطلق مدفع فإن قنبلة تجري وتسير نحو سنة ونصف السنة حتى تقطع المسافة التي يقطعها الضوء في ثانية واحدة. فما أبعد الكواكب عنا. وما أعظم خالق هذه الكواكب ومسيرها ومدبرها ومضيئها الجليل القدير على كل شيء. وقد قلنا إن الله تباركت أسماؤه أقسم بهذه الكواكب لما فيها من عجيب الصنعة وباهر الحكمة. وهو ﷿ يحثنا على البحث عن هذه الكواكب وما فيها من عوالم لنستل بذلك على عظيم قدرته وجليل حكمته وبالغ عظمته. وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ولله العظمة والجلال إذ ينبه إلى عظمة الكون ليهيج الناس ويشوقهم ويدعوهم إلى الاطلاع على تلك العوالم الجبارة في الحياة وهي فوقهم في السماء التي يشاهدونها ويرون النجوم فيها مبعثرة هنا وهناك ولا نرى من نورها إلا واحدا من آلاف الملايين من حقائق أنوارها وأقدارها، وأكبرها ترى صغيرة دقيقة الجرم وهي قد تفوق أرضنا سعة وحجما.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال من أين للصواف العلم بأن في السماء نجوما لم يصل نورها إلى أهل الأرض حتى الآن ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾.
والله ﵎ لم يخبرنا في كتابه ولا على لسان رسوله - ﷺ - أن في
[ ٢٣٩ ]
السماء نجوما لم يصل نورها إلى أهل الأرض حتى الآن. وقد انقطع الوحي بموت النبي - ﷺ - فلم يبق للصواف وأشباهه وسلفهم من فلاسفة الإفرنج مستند سوى وحي الشياطين إليهم بالتخرصات والظنون الكاذبة. فهذا الوحي الشيطاني هو عمدتهم فيما يزعمونه عن المغيبات والأجرام العلوية.
الوجه الثاني: أن الكواكب كلها في السماء الدنيا بنص القرآن قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾.
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» رواه عن النبي - ﷺ - أربعة من الصحابة وهم: عبد الله بن عمرو وأبو هريرة والعباس وأبو سعيد الخدري ﵃. وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁ موقوفا وله حكم الرفع، وقد ذكرت هذه الأحاديث في الصواعق الشديدة مع الأدلة على ثبات الأرض فلتراجع هناك.
وإذا كانت الكواكب زينة للسماء الدنيا فبعدها عن الأرض لا يزيد على خمسمائة سنة. فما زعموه من البعد المفرط في بعض الكواكب مردود بالآيات التي ذكرنا.
الوجه الثالث: أن يقال لو كان ما زعمه الفلكيون صحيحا لكان يتجدد في كل زمان نجوم لم يكن أهل الأرض يعرفونها من قبل. ولو وقع ذلك
[ ٢٤٠ ]
لذكره الناس فيما يذكرونه من الحوادث وتناقلوه قرنا بعد قرن ولكن لا وجود لذلك أبدا. والنجوم لم تزل ولا تزال على الحال التي خلقها الله عليها. فما كان منها يرى بالعين المجردة أو بالمكبرات من أول الأمر فهو لا يزال على حاله. وما كان ضعيف الضوء لا يرى بالعين المجردة ولا بالمكبرات فهو لا يزال على حاله.
الوجه الرابع: أن الفلكيين زعموا أن النور يصل إلى القمر في ثانية وثلث ثم زعموا في النجوم ما زعموه من الأبعاد المتفاوتة وأن منها ما لا يصل النور منه في أقل من ألف وخمسمائة مليون سنة. وهذا تفريق بين ما جمع الله بينه فإن القمر في السماء بنص القرآن. والكواكب قد جعلت زينة للسماء الدنيا بنص القرآن. فما وصل من القمر ثانية وثلث وصل من الكواكب في مثل ذلك. ومن فرق بين ما جمع الله بينه فقوله مردود عليه.
وأما قوله فما أبعد الكواكب عنا.
فجوابه أن يقال أن بعدها لا يزيد على خمسمائة سنة، لأن الله تعالى قد جعلها زينة للسماء الدنيا كما قد نص على ذلك في عدة آيات من القرآن. وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة كما هو ثابت بالنصوص عن النبي - ﷺ -. فمن زعم أن من الكواكب ما يبعد عن الأرض أكثر من خمسمائة سنة فقوله مردود بنصوص الكتاب والسنة.
وأما ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في بعد بعضها عن الأرض بآلاف الملايين من السنين فهو تخرص وهذيان لا حقيقة له.
وأما زعمه أن الله تعالى حث على البحث عن الكواكب وما فيها من العوالم.
[ ٢٤١ ]
فهو من الكذب على الله تعالى. وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
وليس في القرآن ما يدل على أن في الكواكب عوالم فضلا عن أن يكون فيه الحث على البحث عنها وعما فيها.
والبحث إنما يكون عن الأشياء الخفية. والله ﵎ لم يأمر الناس بالبحث عن الأشياء الخفية والرجم عنها بالغيب. وإنما أمرهم بالنظر والتفكر فيما يشاهدونه من آياته الظاهرة التي يراها كل بصير ويعرفها كل عاقل فقال تعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال البغوي: أي: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا ماذا في السموات والأرض من الآيات والدلائل والعبر ففي السموات الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفي الأرض الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها. انتهى.
ونظير هذه الآية قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾.
قال القرطبي وهم يعني الكفار ﴿عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها من ليلها ونهارها وشمسها وقمرها وأفلاكها ورياحها وسحابها وما فيها من قدرة الله تعالى إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا
[ ٢٤٢ ]
أن لها صانعا قادرا واحدا فيستحيل أن يكون له شريك. انتهى.
وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
والآيات في الحث على التفكر والاعتبار بالآيات الكونية كثيرة جدا، وليس في شيء منها ما يدل على البحث عن المغيبات كما توهمه الصواف. بل ذلك مما نهى الله عنه في قوله ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
وأما كلام الصواف على الآية من سورة الواقعة فهو من تحريف الكلم عن مواضعه. والله ﵎ إنما أقسم بمواقع النجوم لينبه عباده على عظمة القرآن لا ليهيجهم ويشوقهم ويدعوهم إلى الاطلاع على العوالم الجبارة كما زعمه الصواف. ومن أين لبني آدم الوصول إلى السماء والاطلاع على ما فيها لو كان الصواف يعقل.
وأما زعمه أن بعض النجوم قد تفوق الأرض سعة وحجما فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح وإنما هو من التخرص واتباع الظن. وقد تقدم التنبيه على بطلانه في أول الكتاب عند كلام الزهاوي في تصغير الأرض وتحقيرها فليراجع هناك.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٩٨ - ٩٩ ما نصه:
[ ٢٤٣ ]