الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون وأهل الكتاب، وقد ذكرت ذلك مستوفى في أول الصواعق الشديدة، فليراجع هناك؛ ففيه أبلغ رد لما زعمه الصواف ههنا.
الوجه الثاني: أن ما قرره ههنا يناقض ما قرره في صفحة ٥٥ من أن الأرض بعد انفصالها عن الشمس كانت تدور حول نفسها بسرعة أكبر مما هي عليه الآن إذ كانت تتم دورنها حول نفسها مرة كل أربع ساعات وأن الليل والنهار كانا أربع ساعات فقط. وبتوالي النقص في سرعة دورانها حول نفسها زادت المدة التي تتم فيها دورانها، فزادت مدة الليل والنهار إلى خمس ساعات ثم إلى ست حتى وصلت إلى أربع وعشرين ساعة، وأن النقص في سرعة دوران الأرض يبلغ حوالي ثانية واحدة كل مائة وعشرين ألف سنة، وأنه بعد ٤٣٢ مليون سنة يصبح مجموع ساعات الليل والنهار ٢٥ ساعة، قال: وهكذا يتوالى النقص ويطرد طول الليل والنهار، وإذ علم أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا فليعلم أن الأرض ساكنة ثابتة كما تقدم إيضاحه، وأن الجريان والدوران حول الأرض إنما هو للشمس والقمر والكواكب، وأن جريانها ودورانها حول الأرض يبلغ من الانتظام والدقة بحيث لا يلحقه خلل إلى يوم القيامة ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١٠٤ أما كوكب الأرض الذي نسميه بالقمر فدورانه معلوم مقرر.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال: ليس القمر بكوكب كما سماه بذلك أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من العصريين، وإنما هو قمر كما سماه
[ ٢٦٣ ]
الله بذلك في عدة مواضع من كتابه، وسماه بذلك رسول الله - ﷺ - في كثير من الأحاديث الصحيحة.
ولم يجيء في كتاب الله ولا عن رسول الله - ﷺ - تسمية القمر كوكبا، فمن سماه بذلك فقد خالف الكتاب والسنة، وكل قول خالف الكتاب أو السنة فهو مردود على قائله.
الوجه الثاني: أن الله تعالى غاير بين القمر وبين الكواكب في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ الآية.
وعلى هذا فمن جمع بين القمر والكواكب وقال: إنه كوكب من جنسها، فقد جمع بين ما فرق الله بينه وخالف نصوص القرآن.
الوجه الثالث: أن الأرض ليس لها كواكب، وإنما الكواكب في السماء وكذلك الشمس والقمر قال الله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾
[ ٢٦٤ ]
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵇ قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾.
ومن زعم أن القمر كوكب للأرض فقوله مردود لمخالفته لنصوص القرآن.
الوجه الرابع: أن القمر قرين الشمس في كتاب الله تعالى، فهو قرينها في الحسبان والجريان والسبح في الفلك والدؤوب في السر والبزوغ والأقوال قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقال تعالى في أربعة مواضع من القرآن: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقال تعالى في موضعين من كتابه: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وإذا كان القمر قرين الشمس في كتاب الله تعالى فإنه يلزم أن يقال في الشمس مثل ما قيل في القمر، فمن قال إن دوران القمر حول الأرض معلوم مقرر لزمه أن يقول مثل ذلك في الشمس، وأن لم يفعل فقد فرق بين متماثلين وآمن ببعض الكتاب ورد بعضه، فليختر الصواف وأشباهه من العصريين أي الخطتين شاؤوا، فلا محيد لهم عن إحداهما.
[ ٢٦٥ ]