في علم النجوم والأنواء. وله كتاب الأنواء الذي تكلم فيه عن النجوم وكيفية استدلال العرب بها والماهر في هذا العلم من قبائلهم ورجالهم.
والجواب أن يقال إن في ذكر الصواف لابن قتيبة في هذا الموضع إيهاما لمن لا علم عندهم بأنه كان يقول بما يقول به أهل الهيئة الجديدة من ثبات الشمس ودوران الأرض حولها وغير ذلك من تخرصاتهم في الشمس والقمر والنجوم. وليس الأمر كذلك فإن ابن قتيبة لم يكن يقول بشيء مما يقول به أهل الهيئة الجديدة وإنما ألف فيما هو معروف عند العرب من منازل الشمس والقمر والاستدلال بها وبغيرها من النجوم على جهة القبلة وغيرها من الجهات التي يقصدها المسافرون في البر والبحر.
والاستدلال بالنجوم على جهة القبلة وغيرها من الجهات جائز لقول الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وقوله تعالى ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٦٨، ٦٩ ما ملخصه: وهل تعلم أن من علماء الهيئة المسلمين الذين رصدوا وألفوا وسهروا الليالي الطوال في مناجاة النجوم ورصد حركاتها وسكناتها والناس نيام والعالم في غفوة وغفلة الشيخ أبو جعفر نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف العالم بالأرصاد والرياضيات والعلوم العقلية، وكان يراقب النجوم والقمر ويرصد حركاتها بمرصد مراغة في مصر وبعد السنين الطوال طلع على الناس بكتبه الفذة في علم الفلك وصح فيها ما أخطأ فيه علماء اليونان وما انحرف فيه بطليموس من أراء لا تنطبق مع العلم الصحيح. ولو أردنا أن نزيد لأتينا بالشيء الكثير الغزير من فعل سلفنا
[ ١٨٣ ]
الصالح ﵏ ورضي الله عنهم وأرضاهم وحشرنا وإياهم من المتقين الأبرار.
والجواب أن يقال: أما مناجاة النجوم فمعناها المخاطبة لها في السر وذلك شرك كما سيأتي بيانه.
قال الجوهري: النجو السر بين اثنين، يقال: نجوته نجوًا إذا ساررته. وكذلك ناجيته وانتجى القوم وتناجوا، أي: تساروا.
وقال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب: المناجي المخاطب للإنسان والمحدث له. قال ابن الأثير يقال: ناجاه يناجيه مناجاة فهو مناجٍ والنجي فعيل منه. انتهى.
وقد روى مالك في الموطأ عن أبي حازم التمار عن البياض أن رسول الله - ﷺ - خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال «أن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن».
وروى أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - نحوه، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقال ابن عبد البر: حديثا البياض وأبي سعيد ثابتان صحيحان.
وفي المسند من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - نحو ذلك أيضا.
وإذا علم هذا فلا يناجي النجوم إلا من يعتقد فيها الإلهية وأنها تدبر أمر العالم وتسمع دعاء من يدعوها ويناجيها. وهذا المعتقد الخبيث موروث عن عباد الشمس والقمر والنجوم من فلاسفة اليونان وأتباعهم من المتقدمين
[ ١٨٤ ]
والمتأخرين. ولهم كتب في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم ومناجاتها ودعائها والالتجاء إليها لقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفان.
وقد صنف بعض الأعيان في المائة السادسة من الهجرة كتابا سماه (السر المكتوم في السحر ومخاطبة الشمس والقمر والنجوم).
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: (وهذه ردة صريحة). وقال في موضع آخر: (هذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام). انتهى.
وقد أراد الصواف أن يبالغ في الثناء على نصير الشرك الطوسي بما وصفه به من سهر الليالي الطوال في مناجاة النجوم فانعكس الأمر عليه وكان مدحه له ذما من أبلغ الذم حيث حكم عليه بالكفر وألحقه بعباد النجوم من فلاسفة اليونان وأتباعهم وهو لا يشعر.
وقد قيل في المثل السائر: (عدو عاقل خير من صديق أحمق).
وأما قوله: (ورصد حركاتها وسكناتها).
فجوابه أن يقال: إن النجوم ليست جامعة بين الحركة والسكون كما قد توهمه الصواف وإنما هي دائبة في الحركة والجريان إلى يوم القيامة سوى القطبين فإنهما لا يفارقان موضعيهما، ولا يخلو الصواف في قوله هذا من أحد أمرين؛ إما أن يقول إن النجوم قد جمعت بين الحركة والسكون في آن واحد، وإما أن يقول إنها تتحرك في وقت وتسكن في وقت آخر. فإن قال بالأول فقد جمع بين النقيضين ولا يقول بذلك من له أدنى مسكة من عقل. وإن قال بالثاني فقد كابر المحسوس المشاهد من جريان النجوم على الدوام مع مخالفته
[ ١٨٥ ]
للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى مع الكلام على ما نقله الصواف من تفسير طنطاوي جوهري فلتراجع هناك.
وأما قوله والعالم في غفوة وغفلة. فهو من تهوره في الكلام وعدم تثبته فيه حيث جعل العالم كله في غفوة وغفلة. وجعل نصير الشرك الطوسي هو المتيقظ المتنبه وحده، لأنه كان يسهر الليالي الطوال في مناجاة النجوم.
والأمر في الحقيقة بعكس ما زعمه الصواف؛ فأهل طاعة الله تعالى هم أهل التيقظ والنباهة من كانوا وأين كانوا. وأهل الكفر والشرك وأعوانهم مثل: نصير الشرك الطوسي وأشباهه من الملاحدة المحادين لله ولرسوله هم أهل الغفوة والغفلة عن الله والدار الآخرة.
وأما قوله نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف.
فجوابه أن يقال: فهو غير مطابق له وإنما المطابق تلقيبه بنصير الشرك كما يشهد به الواقع مما ذكره المؤرخون في وقعة بغداد المشهورة في سنة ست وخمسين وستمائة. فقد قيل إن القتلى بلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف. وقيل ألفي ألف. وقيل غير ذلك.
وهذه الملحمة العظيمة لم يجرِ على أهل الإسلام مثلها لا قبلُ ولا بعدُ. وكان ذلك بإشارة عدوي الإسلام نصير الشرك الطوسي الفيلسوف الملحد الباطني الإسماعيلي وزير هولاكو والوزير ابن العلقمي الرافضي وكيدهما للإسلام وأهله. عاملهما الله بعدله.
[ ١٨٦ ]
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
وكذا أتى الطوسي بالحرب الصريـ ـح بصارم منه وسل سنان
وأتى إلى الإسلام يهدم أصله من أسه وقواعد البنيان
عمر المدارس للفلاسفة الأولى كفروا بدين الله والقرآن
وأتى إلى أوقاف أهل الدين ينـ ـقلها إليهم فعل ذي أضغان
وأراد تحويل الإشارات التي هي لابن سينا موضع الفرقان
وأراد تحويل الشريعة بالنوا ميس التي كانت لدى اليونان
لكنه علم اللعين بأن هـ ذا ليس في المقدور والإمكان
إلا إذا قتل الخليفة والقضا ة وسائر الفقهاء في البلدان
فعسى لذاك وساعد المقدور بالـ بالـ أمر الذي هو حكمة الرحمن
فأشار أن يضع التتار سيوفهم في عسكر الإيمان والقرآن
لكنهم يبقون أهل صنائع الـ دنيا لأجل مصالح الأبدان
فغدا على سيف التتار الألف في مثل لها مضروبة بوزان
وكذا ثمان مئينها في ألفها مضروبة بالعد والحسبان
حتى بكى الإسلام أعده اليهو د وكذا المجوس وعابدو الصلبان
فشفى اللعين النفس من حزب الرسو ل وعسكر الإيمان والقرآن
وقال ابن القيم أيضا:
وكذلك الطوسي لما أن غدا ذا قدرة لم يخشَ من سلطان
قتل الخليفة والقضاة وحاملي الـ قرآن والفقهاء في البلدان
إذ هم مشبهة مجسمة وما دانوا بدين أكابر اليونان
[ ١٨٧ ]