فصل
وقال الصواف في صفحة ٦٧ ما نصه
أكتفي بهذا المقدار من النقل ولا أريد أن أسترسل إلا أني أود أذكر كيف أن العلماء تكلموا في الشمس والقمر، وتكلموا في النجوم الثوابت والسيارات، وقدروا الأبعاد بين الأرض والشمس، وقدروا مقدار ضخامة الشمس عن الأرض، وأن الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة وثمانية وعشرين مرة، وأن الشمس تبعد عن الأرض بأربعة وثلاثين مليون فرسخ فرنس، وقاسوا بعد القمر عنها وبينوا البعد الأبعد والبعد الأقرب. والخلاصة أنهم لم يتركوا بابا إلا طرقوه وسواء كانوا مخطئين في تقديراتهم أم مصيبين فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم. كل شيء، حياتهم وأموالهم وجهدهم وعلمهم وجهادهم وسهرهم وعرقهم في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعوا إلى الإيمان بالله العظيم الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، والذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن تبارك ربنا وتعالى وله الحمد على ما أنعم وتفضل، ورحم الله علماءنا الأعلام وجزاهم عما قدموا خير ما يجزي عاملا عن عمله.
والجواب أن يقال أن الذين تكلموا في الشمس والقمر والنجوم الثوابت والسيارات، وقدروا ضخامة الشمس وبعدها عن الأرض وبعد القمر عنها، هم أهل الهيئة الجديدة وليسوا من علماء المسلمين وإنما هم من فلاسفة الإفرنج كما تقدم إيضاحه في عدة مواضع، ووصفهم بأنهم علماء خلاف الصواب وهو من قلب الحقيقة، والصواب أن يقال أنهم أهل الجهل والتخرص وأتباع الظنون
[ ١٧٧ ]
الكاذبة فهذا هو اللائق بهم والمطابق لحالهم على الحقيقة، وقد استوفيت الرد على ما تكلموا به في الشمس والقمر والنجوم في مواضع كثيرة من الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
فأما زعمهم أن الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة وثمانية وعشرين ألف مرة. فالرد عليه في المثال الخامس من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة.
وأما زعمهم أن الشمس تبعد عن الأرض بأربعة وثلاثين مليون فرسخ فرنسي فالرد عليه في المثال السابع.
وأما قياسهم لبعد القمر عن الأرض فالرد عليه في المثال التاسع.
وأما تخرصهم في النجوم الثوابت فالرد عليه في المثال الحادي عشر والأمثلة الثلاثة بعده.
وأما قوله والخلاصة أنهم لم يتركوا بابا إلا طرقوه.
فجوابه أن يقال أن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم لم يطرقوا الأبواب بالعلم الصحيح المأخوذ من كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم؛ وإنما طرقوها بالتخرصات والظنون الكاذبة كما لا يخفى على من له أدنى علم وفهم. وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَإِنْ
[ ١٧٨ ]
تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
وأما قوله وسواء كانوا مخطئين في تقديراتهم أم مصيبين فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم.
فجوابه أن يقال من عجيب أمر الصواف اندفاعه خلف أعداء الله من فلاسفة الافرنج وقبوله لظنونهم وتخرصاتهم سواء كانوا مخطئين في تقديراتهم - أي ظنونهم وتخرصاتهم - أم مصيبين، وهذا من أقبح الجهل والتقليد. نعوذ بالله من عمي البصيرة. وقد قال الله تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
وأما قوله فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم.
فجوابه أن يقال: أن اجتهاد أهل الهيئة الجديدة في علوم الكون كله جهل وضلال مثل اجتهاد أسلافهم من النصارى في تقرير دياناتهم، وما يعتقدونه في المسيح وأمه، ومثل اجتهاد أهل البدع في تقرير مذاهبهم الباطلة، وكل من حاد عن الصراط المستقيم فلا عبرة به ولا باجتهاده.
وأما قوله وما صنعوا ذلك إلا بوحي من دينهم.
فجوابه أن يقال: بل إنما صنعوا ذلك بوحي من شياطينهم الذين أضلوهم وأضلوا على أيديهم وأيدي أتباعهم بشرا كثيرا. وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ
[ ١٧٩ ]
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
وأما قوله (وأملا في خدمة هذا الدين الذي وهبوه كل شيء، حياتهم وأموالهم وجهدهم وعملهم وجهادهم وسهرهم وعرقهم في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم).
فجوابه أن يقال: أن الصواف قد اغتر بأهل الهيئة الجديدة غاية الاغترار، وأحسن الظن بهم غاية الإحسان حيث زعم أنهم ممن يدين بدين الإسلام كما هو ظاهر كلامه ههنا، وكما صرح بذلك في صفحة ٤٤ حيث قال أنهم مسلمون عرف أكثرهم بالتقوى والصلاح.
وهذا خطأ كبير وغلط فاحش، فإن أهل الهيئة الجديدة كلهم من فلاسفة الإفرنج، وقد ذكرت جملة منهم في الفصل الذي قبل هذا الفصل. وطوائف الإفرنج كلهم ينتسبون إلى النصرانية، والنصارى ضالون مضلون كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
وفي فاتحة الكتاب التي قد أمر المسلمون بقراءتها في كل ركعة من صلواتهم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «إن المغضوب عليهم اليهود وأن الضالين النصارى» قال الترمذي حسن غريب.
[ ١٨٠ ]
وروى ابن مردويه عن أبي ذر ﵁ قال سألت رسول الله - ﷺ - عن المغضوب عليهم قال «اليهود» قلت الضالين قال «النصارى».
وإذا علم هذا فمن أقبح الجهل أن لا يميز الرجل بين المسلمين والنصارى.
وأقبح من ذلك أن يجعل بعض النصارى من جملة المسلمين، وأقبح من ذلك أن يزكيهم، ويشهد لهم بالتقوى والصلاح، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
يقضي على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وأما زعمه أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج لهم أمل في خدمة دين الإسلام فهو زعم كاذب لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل؛ بل إن أعداء الله حريصون كل الحرص على إضلال المسلمين وصدهم عن دينهم كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
وأما زعمه أنهم وهبوا الدين كل شئ فهو من نمط ما قبله من التهور في الكلام وعدم التثبت فيه، وكذلك زعمه أنهم بذلوا كل شيء في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم.
والجواب أن يقال: أن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم لم يصلوا في كلامهم في السماء والأرض والشمس والقمر وغيرهما من الأجرام العلوية إلى شيء من
[ ١٨١ ]
الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم، وإنما وصلوا إلى التخرصات والظنون التي لا تغني من الحق شيئا؛ بل أنها تدعو إلى الضلال والكفر بما أنزل الله على رسوله محمد - ﷺ -.
وقد ذكرت في الصواعق الشديدة تسعة عشر مثالا على بطلان ما يهذون به من التخرصات والظنون الكاذبة فلتراجع هناك.
وأما قوله: ورحم الله علماءنا الأعلام وجزاهم عما قدموا خير ما يجزي عاملا عن عمله.
فجوابه أن يقال: وهل تدري أيها الصواف بالذين تعدهم من علمائك الأعلام وتترحم عليهم وتسأل الله أن يجزيهم خير ما يجزي عاملا عن عمله.
إنهم أعداء الله من فلاسفة الإفرنج، وأولهم كبرنيك البولوني ثم أتباعه من الإفرنج. ومن أعيانهم تيخوبراهي الدانماركي وكبلر وغاليليه ونيوتن الإنجليزي وهرشل الإنجليزي وداروين الإنجليزي وأولبوس وهاردنق وبياظي وستروف، فهؤلاء كلهم من الإفرنج وهم أساطين الهيئة الجديدة، وأقوالهم هي التي أودعها الألوسي في كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعد الهيئة الجديدة). وهي التي يعتمد عليها الصواف في كتابه الذي افترى فيه على المسلمين حيث نسب ما فيه من الجهالات والضلالات إلى علومهم. والمسلمون بريئون من كل ما يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع المسلمين.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٦٨ ما ملخصه: هل تعلم أيها القارئ الكريم أن العالم المسلم عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري يكاد يكون أول من ألف
[ ١٨٢ ]