هذه الأخبار النشرات الجوية، وهي من تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية.
وروى الإمام أحمد والبخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
وكثيرًا ما يتفق المنجمون على حدوث أمر في المستقبل، فيفضحهم الله تعالى ويبطل قولهم، ويجعل الأمر بعكس ما زعموه ليعلم الجاهلون بحالهم أنهم كذبة متخرصون ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.
وقد ذكر المؤرخون من ذلك أخبارًا كثيرة منها ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة عن العماد الكاتب أنه قال: "أجمع المنجمون على خراب العالم في شعبان، لأن الكواكب الستة تجتمع فيه في الميزان فيكون طوفان الريح في سائر البلدان" وذكر أن ناسا من الجهلة تأهبوا لذلك بحفر مغارات في الجبال ومدخلات وأسراب في الأرض خوفا من ذلك، قال: "فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها وأجمعوا عليها لم ير ليلة مثلها في سكونها وركودها وهدوئها، وقد ذكر ذلك غير واحد من الناس في سائر أقطار الأرض، وقد نظم الشعراء في تكذيب المنجمين في هذه الواقعة وغيرها أشعارًا كثيرة حسنة منها:
مَزِّق التقويمَ والزيـ ـجَ فقد بان الخطَا
إنما التقويم والزيـ ـج هباء وهوا
[ ٣٩ ]
قلت للسبعة إبرا م ومنع وعطا
ومتى ينزلن في الميز ان يستولي الهوا
ويثور الرمل حتى يمتلي منه الصفا
ويعمُّ الأرض رجـ ـف وخراب وبِلى
ويصير القاع كالسـ ـقف وكالطود العرا
وحكمتم فأبى الحـ ـكم إلا من يشا
ما أتى الشرع ولا جاءت بهذا الأنبيا
فبقيتم ضحكة يضحك منها العلما
حسبكم خزيا وعا رًا ما يقول الشعرا
ما أطمعكم في الـ ـحكم إلا الأمرا
فعلى اصطر لاب بطـ ـليموس والزيج العفا
وعليه الخزي ما جادت على الأرض السما
وقد ذكر السيوطي هذا الخبر في تاريخه فقال: "وفي سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة اجتمعت الكواكب الستة في الميزان، فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح، فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم، وتوثيقها وسد منافذها عن الريح، ونقلوا إليها الماء والزاد، وانتقلوا إليها وانتظروا الليلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد، وهي الليلة التاسعة من جمادى الآخرة، فلم يأت فيها شيء ولا هب فيها نسيم بحيث أوقدت الشموع فلم تتحرك فيها ريح تطفيها، وعملت الشعراء في ذلك، فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم:
قل لأبي الفضل قولَ معترفٍ مضى جمادى وجاءنا رجبُ
وما جرت زعزعًا كما زعموا ولا بدا كوكبٌ له ذنبُ
وما ذكره السيوطي في تعيين الشهر الذي اتفق المنجمون على هبوب
[ ٤٠ ]
الريح العاتية فيه أنه جمادى الآخرة، يخالف ما ذكره ابن كثير عن العماد الكاتب أن ذلك في شعبان، ولعل الصواب ما ذكره السيوطي، ويشهد لذلك قول أبي الغنائم، والله أعلم.
وقد ذكر هذا الخبر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة، وذكر معه تسعة أخبار مما اتفق المنجمون على وقوعه، ففضحهم الله تعالى، وأبطل قولهم، وجعل الأمر بعكس ما زعموه.
وذكر أبياتًا حسانًا لأبي تمام وغيره من الشعراء في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فمن أراد الوقوف على ذلك فليراجعه في مفتاح دار السعادة.
وقد حدثني بعض قضاة المدينة النبوية أن المنجمين في الهند في زماننا أجمعوا على أنه في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا - يكون في المدينة ريح عاصف، وظلمة وصواعق شديدة، ومطر عظيم وبرد كثير، فصدقهم الجهال فيما زعموه من هذا الباطل وارتقبوا وقوع ذلك، فلما جاء اليوم الذي وعدوا به كان الأمر فيه بعكس ما زعمه أعداء الله تعالى، فكانت الريح ساكنة لا تحرك شيئا وكان الجو صافيا جدا ولم يكن في ذلك اليوم غيم ولا شيء مما زعموا وقوعه.
قلت ولما كان في يوم الأربعاء الموافق لليوم الرابع من شهر ذي القعدة سنة ١٣٨٨ هـ أصاب مكة وجدة وما بينهما، وما بين مكة وجبل كرا - مطر عظيم وسيول جارفة، وقد ارتفع السيل في الحرم ارتفاعًا كثيرًا، وبلغ في باب الكعبة نحو ذراعين، وحمل سيارات كثيرة في شارع الأبطح، وصدم بعضها ببعض، ودخل بيوتًا ودكاكين كثيرة في مكة وجدة، وأفسد أموالا كثيرة. وقد أذاع المنجمون في بعض بلاد الكفر أنه سيصيب مكة في يوم الأربعاء من الأسبوع الثاني وهو الموافق لليوم الحادي عشر من الشهر
[ ٤١ ]
والسنة المذكورين آنفا مطر عظيم وسيل جارف يشبه ما أصابها في رابع الشهر.
وأذاع المنجمون في بعض بلاد الإفرنج أنه سيكون في بلاد الحجاز مطر عظيم يستمر أربعا وعشرين ساعة، وقد صدقهم الجهال في الزعم الكاذب وارتقبوا ما وعدوهم به من الطوفان، وزادهم فتنة وتصديقا بأقوال المنجمين أن الغيوم لم تزل متراكمة فوق مكة في تلك الأيام ولكن بدون مطر.
ولما كان في اليوم الثامن من ذي القعدة، وهو يوم الأحد أغلق الجهال بعض أبواب المسعى التي من جهة المشرق، ووضعوا عليها من جهة المسعى خشبًا غلاظًا لتمنعها أن تنفتح إذا جاءها السيل الذي وعد به المنجمون.
ولما كان في اليوم العاشر وهو يوم الثلاثاء أغلقوا جميع أبواب المسعى وردموها بالخشب، سوى مصراع واحد من جهة الصفا تركوه للناس يدخلون منه ويخرجون، وقد كنت أرى صنيعهم في الأبواب وأتعجب منه، ولا أدري ما مرادهم من ذلك؛ لأني لم أسمع بأكاذيب المنجمين عليهم، ولما كان بعد صلاة المغرب من ليلة الأربعاء جلست مع بعض العلماء في الحرم، فذكرت له ما رأيت من صنيعهم في أبواب المسعى، فأخبرني بما زعمه المنجمون من وقوع السيل العظيم المماثل لما وقع منذ أسبوع، فقلت كذب المنجمون وسيظهر كذبهم ويفتضحون إن شاء الله تعالى، وإني لأرجو أن تكون السماء في الغد صحوا ليس فيها قزعة، وبينما نحن جلوس إذ وقع علينا مطر خفيف، فانفض الجهال، وتسابقوا إلى الأبواب يخرجون من الحرم فعجبنا من صنيعهم ومن تلاعب الشيطان بهم، وقد نمنا تلك الليلة والغيوم متراكمة.
ولما خرجت لصلاة الصبح من يوم الأربعاء الذي وعد المنجمون بوقوع الطوفان فيه إذا السماء صحو ليس فيها قزعة، وقد أقمت بعد ذلك عدة أيام في مكة شرفها الله تعالى، والسماء لا تزال في تلك الأيام صحوا ليس فيها قزعة. فالحمد لله على إبطال قول المنجمين وإظهار كذبهم لعباده. ولقد
[ ٤٢ ]