هو في الأئمة بين سادة مكة أهل التقى والعلم والإنصاف
ثم قال:
قطنا لبست أو ارتديت الصوفا فلقد وجدتك بالهدى موصوفا
وإذا المنابر بالرجال تلألأت عرفت لسانك بالمقال عفيفا
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن إيراد الصواف لهذه الأبيات في رسالته من تزكية النفس وقد قال الله تعالى ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال البغوي عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: لا تمدحوها. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، فلا تبرئوها من الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها.
وفي صحيح مسلم عن زينب بنت أبي سلمة ﵂ قالت: سُميت برة فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم».
الوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - كره المدح وأنكر على المداحين، وأمر أن يحثى في وجوههم التراب كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن أبي بكرة ﵁ قال مدح رجل رجلا عند النبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: «ويلك قطعت عنق صاحبك - مرارا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله
[ ٢٨٤ ]
أحدا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك».
وروى مسلم أيضا عن أبي موسى ﵁ قال: سمع النبي - ﷺ - رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال: «لقد أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل».
وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه، قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب، ويقول: أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث همام بن الحارث قال: كنا جلوسا في مسجد رسول الله - ﷺ - فجاء قوم يثنون على عثمان ويمدحونه والمقداد في ناحية المسجد، فلما سمعهم يمدحونه قام فتناول الحصا، فجعل يحثو في وجوههم، فقال عثمان: ما هذا؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا رأيتم المداحين فاحثو في وجوههم أو قال: في أفواههم التراب: أو قال الحصا».
وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن سعيد بن العاص بعث وفدا من العراق إلى عثمان، فجاؤوا يثنون عليه، فجعل المقداد يحثو في وجوههم التراب، وقال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحثو في وجوه المداحين التراب. وقال سفيان مرة: فقام المقداد، فقال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «احثوا في وجوه المداحين التراب» قال الزبير: أما المقداد فقد قضى ما عليه.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن حبيب عن
[ ٢٨٥ ]
مجاهد عن أبي معمر قال: قام رجل يثني على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثو في وجهه، وقال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحثو في وجوه المداحين التراب.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا يحيى عن وائل بن داود قال: سمعت عبد الله البهي أن ركبا وقفوا على عثمان بن عفان فمدحوه، وأثنوا عليه ثم المقداد بن الأسود فأخذ قبضة من الأرض فحثاها في وجوه الركب فقال نبي الله - ﷺ -: «إذا سمعتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب».
وإذا كان هذا فعل المقداد ﵁ مع من مدح عثمان الذي هو أهل للمدح والثناء فكيف بمن مدح من لا يستحق المدح والثناء وإنما يستحق القدح والذم والتأنيب وما هو أشد من ذلك، فالله المستعان.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب، قال: جعل رجل يمدح عاملا لعثمان، فعمد المقداد، فجعل يحثو التراب في وجهه، فقال له عثمان: ما هذا؟ قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب».
وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث شعبة به إلا أنه قال جعل رجل يمدح غلاما لعثمان.
وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحثو في أفواه المداحين التراب. قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة ﵁.
الوجه الثالث: أن المحاسني قد أخطأ في عدة مواضع من كلامه.
أحدها: قوله: فمن الصفاء دعوه بالصواف
[ ٢٨٦ ]
والجواب أن يقال: ليس الأمر كما زعمه المحاسني من أن الصواف منسوب إلى الصفاء؛ وإنما هو منسوب إلى بيع الصوف، كما يقال لبائع التمر تمار ولبائع السمن سمان ولبائع الزيت زيات ولبائع البقل بقال ولبائع النحاس نحاس وما أشبه ذلك. ولو كان منسوبا إلى الصفاء لقيل له الصافي لا الصواف.
الموضع الثاني: عده من الأئمة أهل التقى والعلم والإنصاف.
والجواب أن يقال: هذا فيه نظر لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة.
الموضع الثالث: قوله فلقد وجدتك بالهدى موصوفا.
والجواب أن يقال: وهذا أيضا فيه نظر لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضا ليدفع معور عن معور
فطن لكل مصيبة في ماله وإذا أصيب بدينه لم يشعر
الموضع الرابع: قوله عرفت لسانك بالمقال عفيفا
والجواب أن يقال: كيف يكون لسانه عفيفا بالمقال وهو قد قال على الله تعالى وعلى كتابه ورسوله - ﷺ - بغير علم، وأخطأ على المسلمين خطأ كبير كير نسب إليهم من التخرصات والظنون الكاذبة ما هم بريئون منه.
فأما قوله على الله تعالى وعلى كتابه بغير علم، ففي مواضع من رسالته التي قد رددت عليها.
منها قوله في صفحة ٤٠: أن القرآن أشار إلى نظرية "لابلاس" وهي قوله: أن الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام إنما كانت سديما في
[ ٢٨٧ ]
الفضاء وأن الأرض انفصلت عن هذا السديم. ثم قال في صفحة ٤١: وبذلك قرر العلم اليوم ما قرره القرآن وأشار إليه قبل ألف وأربعمائة عام من أن الأرض والشمس والنجوم، أي: السماء والأرض وما فيهما، إنما كانت سديما انفصل إلى أجزاء.
وهذا من القول على الله وعلى كتابه بغير علم. وقد استوفيت الرد عليه في أول هذا الكتاب فليراجع.
ومنها في صفحة ٤٢ وصفحة ٤٣ فقد أورد آيتين من سورة يس وآية من سورة النمل ثم حمل الآيات على ما يزعمه فلاسفة الإفرنج من التخرصات والظنون الكاذبة، وزعم أن ذلك مما قرره القرآن الكريم، وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه، وقد استوفيت الرد عليه في أول الكتاب، فليراجع هناك.
ومنها في صفحة ٥٤ - ٥٥ - ٥٦ فقد أورد آيتين من سورة القصص، وحملهما على ما يزعمه فلاسفة الإفرنج من حركة الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه، وقد استوفيت الرد عليه في أول الكتاب، فليراجع هناك.
ومنها في صفحة ٦١ فقد زعم أن المستقر الذي ذكره الله في قوله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ إنه المحور الذي تدور عليه الشمس حول نفسها، وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه، وقد استوفيت الرد عليه في أثناء الكتاب، فليراجع هناك.
ومنها أنه في صفحة ٧٦ أورد آية من سورة الإسراء ثم حملها في صفحة ٧٨ على ما يوافق آراء الإفرنج وتخرصاتهم وزعم أن ذلك من معجزات القرآن، وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه، وقد استوفيت الرد عليه في أثناء الكتاب، فليراجع هناك.
[ ٢٨٨ ]
ومنها أنه في صفحة ٩٧ - ٩٨ زعم أن الله يحثنا على البحث عن الكواكب، وما فيها من عوالم، وهذا من الافتراء على الله تعالى، وقد تقدم الكلام عليه في موضعه.
ومنها أنه في صفحة ١٠١ نقل كلاما لموسى جار الله زعم فيه أن السموات لها منظومات، وكل منظومة من هذه المنظومات يسميها القرآن برجا إلى آخر هذيانه في السطر الأول من صفحة ١٠٢ وهو من الافتراء على الله وعلى كتابه، وقد تقدم التنبيه على ذلك في موضعه.
ومنها أنه في صفحة ١٠٧ وصفحة ١٠٩ ذكر الآيتين من سورة المؤمنين وسورة الذاريات ثم حملها على ما يوافق تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة، وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه، وقد تقدم التنبيه على ذلك قريبا، فليراجع.
وأما قوله على رسول الله - ﷺ - بغير علم ففي صفحة ٧٨.
وأما خطؤه على المسلمين، ففي عنوان رسالته حيث زعم أن ما أودعه فيها من تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة، فهو من علوم المسلمين في الفلك، وقد نبهت على ذلك في أول الكتاب، فليراجع هناك.
وفي صفحة ٦٠ زعم أن القول بثبات الشمس وقرارها قد سبق إليه العلماء الأعلام من المسلمين. وهذا غلط وخطأ عليهم.
وفي صفحة ٦١ زعم أن للشمس محورا تدور عليه، كما تدور المروحة السقفية على محولها وفسر المستقر المذكور في قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ بما زعمه من المحور المتوهم. قال وقد قال بهذا القول رجال
[ ٢٨٩ ]