ولا عبرة بمن حاد عن منهاج هؤلاء الخلفاء الراشدين من الملوك كالمأمون، فإنه قد اعتنى بتعريب كتب الأوائل وعمل الأرصاد، ففتح بذلك على الأمة باب شر عريض.
وقد ذكر السفاريني في كتابه (لوائح الأنوار البهية) عن الصلاح الصفدي أنه قال: "حدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية روَّح الله روحه كان يقول: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال العلوم الفلسفية بين أهلها".
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في (تذكرة الحفاظ) في ترجمة شجاع بن الوليد بن قيس: "لما قتل الأمين، واستخلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع، وأبدى صفحته، وبزغ فجر الكلام، وعربت كتب الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مهلك، لا يلائم علم النبوة، ولا يوافق توحيد المؤمنين، قد كانت الأمة منه في عافية.
إلى أن قال: "إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وتقدم عقول الفلاسفة، ويعزل منقول اتباع الرسل ويماري في القرآن ويتبرم بالسنن والآثار وتقع في الحيرة. فالفرار قبل حلول الدمار وإياك ومضلات الأهواء ومحارات العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم" انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال المقريزي في كتاب الخطط: "وقد كان المأمون لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم من عَرَّبَ له كتب الفلاسفة، وأتاه بها في أعوام بضع عشرة ومائتين من الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها،
[ ١٣ ]
وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجرَّ على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة مالا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلاسفة ضلال أهل البدع، وزادتهم كفرا إلى كفرهم". انتهى.
وقد سار على منهاج المأمون في عمل الأرصاد كثير من الملوك المنحرفين مثل الحاكم العبيدي، وبعض بني بويه والسلاجقة، وهولاكو وتيمورلنك وأولغ بك.
فهؤلاء خلفاء الصواف الذين تركوا له ولأشباهه من علم الفلك وعمل الأرصاد ما تركوا، ومع ما كانوا عليه من الاعتناء بالأرصاد وعلم الفلك فقد كانوا على مذهب أهل الهيئة القديمة في القول بسكون الأرض وجريان الشمس، ولم يذكر عن أحد منهم أنه قال بتعدد الشموس والأقمار، ولا بغير ذلك مما يهذو به أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في أبعاد الكواكب ومقاديرها، وغير ذلك مما أودعه الصواف في رسالته، وزعم أنه مما تركه الخلفاء العظام، وهو بذلك قد افترى عليهم ونسب إليهم ما لم يؤثر عنهم، وإنما هو مأثور عن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم.
وأما زعمه أن ما جمعه في رسالته فهو مما تركه العلماء الأعلام.
فجوابه: أن يقال إن أعلم هذه الأمة على الإطلاق علماء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يتكلم أحد منهم في علم الفلك بشيء فضلا عن القول بحركة الأرض وثبات الشمس، والرجم بالغيب عن أبعاد الكواكب ومقادير أجرامها وغير ذلك مما أودعه الصواف في رسالته.
ثم التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم، ولاسيما الأئمة الأربعة وأقرانهم من أكابر العلماء، فهؤلاء هم العلماء الأعلام على الحقيقة، ولم
[ ١٤ ]