فصل
ونقل الصواف في صفحة ٦٣ عن قطب أنه قال في تفسيره (في ظلال القرآن) عند قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ما نصه:
والشمس تدور حول نفسها وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها، ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها إنما هي تجري، تجري فعلا في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون بإثني عشر ميلا في الثانية، والله ربها الخبير بها وبجريانها وبمصيرها يقول أنها تجري لمستقر لها، هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا هو سبحانه ولا يعلم موعده سواه، وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف حجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء لا يسندها شيء ندرك طرفا من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم". إلى أن قال عند قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: "وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل أشبه بحركة السفينة في الخضم الفسيح فهي مع ضخامتها لا تزيد على أن تكون نقطا سابحة في ذلك الفضاء المرهوب، وأن الإنسان ليتضاءل ويتضاءل وهو ينظر إلى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم الدوارة والكواكب السيارة متناثرة في ذلك الفضاء سابحة في ذلك الخضم والفضاء من حولها فسيح فسيح وأحجامها الضخمة تائهة في ذلك الفضاء الفسيح".
والجواب أن يقال: أما قوله إن الشمس تدور حول نفسها فهو ما قرره الصواف في صفحة ٦١ وتقدم رده قريبا في الوجه السابع والثامن والتاسع من الفصل الذي قبل هذا الفصل فليراجع.
[ ١٧٠ ]
وأما قوله: وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها.
فجوابه أن يقال: كل أقوال أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في الشمس وغيرها من الأجرام العلوية مبناها على التخرصات والظنون الكاذبة وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.
وأما قوله: ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها إنما هي تجري، تجري فعلا في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في الثانية.
فجوابه أن يقال: من أين عرف جريان الشمس على الوجه الذي توهمه الفلكيون من فلاسفة الإفرنج بعقولهم الفاسدة، والوحي قد انقطع عن الأرض بموت النبي - ﷺ - ولم يبق إلى وحي الشياطين إلى أوليائهم من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم بالأكاذيب والتخرصات والظنون التي لا حاصل لها في نفس الأمر، فهذا الوحي الشيطاني الكاذب هو الذي يعتمد عليه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في الأجرام العلوية.
والذي قرره قطب ههنا هو ما نقله الصواف في صفحة ٣٨ عن الفلكيين، أنهم قالوا إن النظام الشمسي ينهب الفضاء نهبا بسرعة لا تقل عن ٢٠ ألف ميل في الساعة أي أكثر من ٣٠٠ ميل في الدقيقة متجهة نحو برج هركيوليس.
وذكر الصواف أيضا في صفحة ٤٢ في الكلام على قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ الآية - أن المجموعة الشمسية وما حولها تتحرك في الفلك، وأن الشمس تجري إلى بعيد فيه وليس إلى قريب.
وذكر الصواف أيضا في صفحة ٤٣ عن "سيمون" أن الشمس
[ ١٧١ ]
والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض.
وذكر الصواف أيضا في صفحة ١٠٣ أن الشمس تجري بسرعة هائلة تبلغ اثني عشر ميلا في ثانية نحو الجانب الخارجي لمجرته، وتقود كل ما يتبع النظام الشمسي.
قلت وقد تقدم رد هذه الأباطيل بما أغنى عن إعادته ههنا فليراجع.
وأما قوله والله يقول أنها تجري لمستقر لها، هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا هو ولا يعلم موعده سواه.
فجوابه أن يقال الظاهر أن مراد قطب بهذا المستقر برج هركيوليس الذي توهمه الفلكيون من فلاسفة الإفرنج بعقولهم الفاسدة؛ لأن كلامه من أوله إلى آخره في تقرير قولهم، ويدل على ذلك قوله في الشمس أنها تجري في اتجاه واحد في الفضاء، وهذا خلاف ما أخبر الله به عنها أنها تسبح في الفلك، والفلك مستدير بالإجماع، وفي هذا رد لما زعموه من كونها تجري في اتجاه واحد.
وأيضا فقد روى الإمام أحمد والشيخان عن أبي ذر ﵁ قال سألت رسول الله - ﷺ - عن قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال «مستقرها تحت العرش».
وروى الإمام أحمد والشيخان أيضا وأبو داود الطيالسي والترمذي عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي - ﷺ - لأبي ذر ﵁ حين غربت الشمس «تدري أين تذهب؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى
[ ١٧٢ ]
تسجد تحت العرش، فتستأذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» هذا لفظ البخاري. وفي رواية مسلم قال ثم قرأ في قراءة عبد الله (وذلك مستقر لها). وللترمذي نحوه وقال هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية لمسلم أن النبي - ﷺ - قال يوما «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي، ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها».
وهذا الحديث الصحيح يدل على أن الشمس تنتهي إلى مستقرها تحت العرش كل ليلة فتسجد حينئذ وتستأذن في الطلوع.
وفي هذا الحديث رد على قطب وعلى غيره ممن تأول الآية على غير تأويلها الثابت عن النبي - ﷺ -.
وأما قوله وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف حجم أرضنا هذه.
فجوابه أن يقال هذا من الرجم بالغيب والقول بغير علم، وقد استوفيت
[ ١٧٣ ]