يقضي على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وأما قوله: وأن يشفع لنا به
فجوابه أن يقال ومن ترى يشفع لك به عنده. تعالى الله، وتقدس وتنزه عما يقول الجاهلون علوا كبيرا.
وقد أنكر النبي - ﷺ - على الأعرابي إنكارا شديدا لما قال له: إنا لنستشفع بالله عليك. ففي سنن أبي داود عن جبير بن مطعم ﵁ قال أتى رسول الله - ﷺ - أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. قال رسول الله - ﷺ - «ويحك أتدري ما تقول» وسبح رسول الله - ﷺ - فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: «ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك» الحديث قال الذهبي: إسناده حسن. ورد ابن القيم في تهذيب السنن على من تكلم في هذا الحديث بغير حجة، فأجاد وأفاد.
وإذا علم هذا، فلا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة ما بين قول الصواف وقول الأعرابي من المشابهة الظاهرة. فالصواف قد سأل الله أن يشفع له بكتابه. والأعرابي قال للنبي - ﷺ - ونستشفع بالله عليك. فكل منهما قد استشفع بالله. والله تعالى لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٤: إن الكثير من شبابنا اليوم في حاجة ماسة إلى مثل هذه الكتب - يعني كتابه وما أشبهه من الكتب المضلة - لتلقي لهم
[ ٢٩١ ]
ضوءا على ماضيهم المشرق وتكشف لهم الحجاب عن حضارتهم الرائعة التي طمسها الأعداء أو كادوا.
والجواب عن هذا وجوه: أحدها: أن يقال: إن الناس في حاجة شديدة إلى التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - والأخذ بما جاء عن الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم، فهذا هو العلم النافع الذي يلقي لهم الضوء على ماضيهم المشرق، ويكشف لهم الحجاب عن حضارتهم الرائعة.
فأما ما جاء عن فيثاغورس اليوناني وأتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين، وهم أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج وجهال المسلمين فهذا ضرر محض تجب محاربته بكل ما أمكن.
وكتاب الصواف من هذا القسم الأخير؛ لأنه مبني على أقوال "فيثاغورس" وأتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين، ومحشو من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة مع ما اشتمل عليه من تحريف آيات كثيرة من القرآن وتأويلها على غير المراد منها. وما اشتمل عليه أيضا من الافتراء على رسول الله - ﷺ - وعلى المسلمين. وما كان بهذه الصفة فإنه يجب القضاء عليه وعلى أمثاله من الكتب التي تضل الشيوخ والشباب، وتدعوهم إلى نبذ الكتاب والسنة وراء ظهورهم.
الوجه الثاني: أن يقال: وأي حاجة بالشباب إلى تخرصات اليونان والإفرنج وظنونهم التي ما أنزل الله بها من سلطان. وإنما هي من وحي الشيطان وتضليله.
وأي حاجة بالشباب إلى الهذيان والسخافات التي يضحك منها الصبيان الصغار فضلا عن الرجال العقلاء. وسأذكر نماذج منها قريبا إن شاء الله تعالى.
[ ٢٩٢ ]