الأزمان الأخيرة، فأكثر من يعتني به ويشتغل فيه فلاسفة الإفرنج. وأقوالهم فيه وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة هي التي أودعها الصواف في كتابه وزعم أنه يساهم بها في بث الوعي الإسلامي. فهم علماء الصواف وأعلامه الذين سأل الله أن يرضى عنهم ويرضيهم.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٧ - ١١٨ ما نصه:
وهذا العلم - يعني علم الفلك - يبعث الإيمان ويزيده، ويدعو إلى تعميق جذوره في قلب الإنسان. وقديما قد قيل أن أشد الناس إيمانا بالله هم علماء الطب وعلماء الفلك، لأنهم يرون من عجائب صنع الله ما لا يراه غيرهم.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: إن علم الفلك لا يخلو في الغالب من تعاطي علم الغيب كما يفعله المنجمون في قديم الدهر وحديثه وكما هو شأن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج المتأخرين، فإن غالب أقوالهم في الأجرام العلوية من اتباع الظن والرجم بالغيب. وما كان كذلك فهو مما يبعث على الإيمان بالجبت والطاغوت ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلوب المفتونين به. وكتاب الصواف في علم الفلك من هذا القبيل، لأنه مملوء من تعاطي علم الغيب فهو مما يبعث على الإيمان بالجبت والطاغوت ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلوب الجهال. وما كان من علم الفلك خاليا من تعاطي علم الغيب، فهو قليل الجدوى يصد المشتغل به عما هو أهم منه من العلوم النافعة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن العلم الذي يبعث على الإيمان بالله وملائكته
[ ٣١٤ ]
وكتبه ورسله واليوم الآخر وما وعد الله به أولياءه من جزيل الثواب، وما توعد به أعداءه من وبيل العذاب هو علم الكتاب والسنة، فهو العلم النافع على الحقيقة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى:
﴿فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
وفي الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم ﵁، قال: قام رسول الله - ﷺ - يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول
[ ٣١٥ ]
ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه» الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم.
وفي رواية لمسلم أن رسول الله - ﷺ - قال كتاب الله فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل».
وفي رواية له أخرى أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا وأني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله ﷿ هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة».
وروى مسلم أيضا وأبو داود وابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حج النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال في خطبته يوم عرفة: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» ورواه الترمذي بنحوه مختصرا.
وروى مالك في الموطأ بلاغا أن رسول الله - ﷺ - قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله».
وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس في حجة الوداع - فذكر الحديث وفيه أنه قال: «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه» صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنة نبيه، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
[ ٣١٦ ]
وروى الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه عن أي: شريح الخزاعي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا» قال المنذري: إسناد الطبراني جيد. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
وروى الطبراني أيضا في الكبير والصغير، والبزار من حديث جبير بن مطعم ﵁ عن النبي - ﷺ - نحوه.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين وهو الشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه» ورواه الطبراني والبغوي بنحوه موقوفا
وروى الترمذي عن علي ﵁ قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم» الحديث قال الترمذي: غريب.
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث، فلا يعرض عن علم الكتاب والسنة ويشتغل بعلم الفلك، ويزعم أنه يبعث الإيمان ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلب الإنسان إلا من هو من أجهل الناس، وأبعدهم عن تحصيل العلم النافع، ومعرفة الفرق بينه وبين الجهالات والضلالات الضارة.
الوجه الثالث: أن يقال لو كان ما زعمه الصواف ههنا صحيحا لكان أطباء
[ ٣١٧ ]
اليونان والإفرنج وفلاسفتهم الفلكيون من أعظم الناس إيمانا بالله. والواقع شاهد ببطلان هذا القول وكذب من قاله لما عليه أطباء اليونان والإفرنج وفلاسفتهم من الكفر العظيم. وكذلك الأطباء والفلكيون من سائر أمم الكفر والضلال.
الوجه الرابع: أن يقال: لو كان علم الفلك يبعث الإيمان ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلب الإنسان لكان الصحابة ﵃ أحرص عليه من غيرهم، فإنهم كانوا أحرص على الخير، وتحصيل العلم النافع ممن كان بعدهم. وقد كان بعضهم يسافر مسيرة الشهر وأكثر من ذلك في طلب الحديث الواحد، وكذلك التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم، فإنهم كانوا يسافرون إلى الأقطار البعيدة في طلب العلوم النافعة ومع هذا لم يكونوا يشتغلون بعلم الفلك ولا ينظرون فيه. ولو كان فيه أدنى منفعة لما كان الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان يهملونه.
وأما قوله: وقديما قد قيل: إن أشد الناس إيمانا بالله هم علماء الطب وعلماء الفلك.
فجوابه أن يقال: لقد أخطأ من قال: هذا القول الباطل خطأ كبيرا وأخطأ من أورده في كتابه مقررا له ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
وهذا القول الباطل لا يصدر من رجل يعلم ما يقول؛ لأنه يقتضي تفضيل الأطباء والفلكيين على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وهذا خلاف الكتاب والسنة وخلاف ما عليه المسلمون كافة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
[ ٣١٨ ]
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف لكان يجعل المطيعين لله والرسول مع الأطباء والفلكيين.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ والصديقون هم أعظم أتباع الرسل إيمانا بالله. ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف لقال والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الأطباء والفلكيون.
وقال تعالى في سورة الأنعام بعد ما ذكر جملة من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف لكان يأمر بالاقتداء بالأطباء والفلكيين.
وروى الإمام أحمد عن عمرو بن مرة الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله - ﷺ -: «من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه».
وروى الإمام أحمد أيضا عن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ألئك رفيقا إن شاء الله».
وروى الترمذي عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين الشهداء»
[ ٣١٩ ]
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف، لقال عن هؤلاء المذكورين في هذه الأحاديث: إنهم يكونون يوم القيامة مع الأطباء والفلكيين.
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث، فليعلم أيضا أنه لا خلاف بين المسلمين أن أعظم الناس إيمانا بالله الأنبياء ثم الصديقون ثم الناس بعد ذلك متفاوتون في كثرة الإيمان وقلته. والأطباء والفلكيون المنتسبون إلى الإسلام هم من أقل الناس حظا من الإيمان كما لا يخفى على من تتبع أخبارهم وسبر أحوالهم. وأما الأطباء والفلكيون من غير المسلمين فهم من أكفر الناس. أما أطباء اليونان وفلاسفتهم الفلكيون في قديم الدهر فكانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب. وأما أطباء الإفرنج وفلاسفتهم الفلكيون فهم ما بين دهري وعابد صليب. فأي إيمان بالله عند هؤلاء الإفرنج وأولئك اليونان فضلا عن شدة الإيمان التي تفوق إيمان الرسل فضلا عن غيرهم من الناس؟ وأنه ليصدق على الصواف قول القائل:
لقد كان في الأعراض ستر جهالة غدوت بها من أشهر الناس في البلد
والغالب على الفلكيين من فلاسفة الإفرنج الإيمان بالجبت والطاغوت لما في كثير من كلامهم من التحكم على الغيب وتصديق من يدي علم المغيبات من الأجرام العلوية وغيرها، وقد ذكر الصواف في رسالته شيئا كثيرا من دعاويهم الكاذبة في ذلك، وقد نبهت عليها في مواضعها، ولله الحمد والمنة. ومن كانوا كذلك فالمطابق لأحوالهم على الحقيقة أن يوصفوا بشدة الإيمان بالجبت والطاغوت، لا بشدة الإيمان بالله.
[ ٣٢٠ ]