الدين يشكو بليه من فرقة فلسفيه
لا يشهدون صلاة إلا لأجل التقيه
ولا ترى الشرع إلا سياسة مدنيه
ويؤثرون عليه مناهجا فلسفيه
قلت وقد ذكر لنا عن بعض أتباعهم في زماننا أنهم لا يصلون إلا للرياضة أو للتقية. وأنهم ينكرون وجود الملائكة وتنزلهم بأمر الله وتدبيرهم للأمور بإذنه. وبعضهم ينكرون كونهم يعقلون وإنما هم عندهم بمنزلة الجمادات والنباتات وينكرون أيضا وجود الجن وصرعهم لبني آدم ويسمون الصرع الأمراض العصبية. إلى غير ذلك مما دخل عليهم من سموم الفلاسفة وجراثيم أمراضهم المهلكة.
وليعلم أن بين الفلاسفة والملاحدة الباطنية تناسبا وتقاربا واتفاقا في بعض الأمور.
وقد ذكر بعض العلماء عن ابن سينا أنه قال كان أبي وأخي من أهل دعوة الحاكم - يعني العبيدي.
وكان نصير الشرك الطوسي وزيرا لأصحاب قلاع الالموت من الإسماعيلية وكانوا ينتسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدي. ثم وزر لهولاكو. وقد شرح الإشارات لابن سينا. ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من أكابر العلماء.
وذكر شيخ الإسلام أيضا في رده على الرافضي عن نصير الشرك الطوسي أنه كان ممن يقول أن الله موجب بالذات لا مختار ويقول بقدم العالم. قال وهذا الرجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزيرا لملاحدة الباطنية
[ ١٩١ ]
الإسماعيلية بالألموت ثم لما قدم التتر المشركون هولاكو أشار عليه بقتل الخليفة وبقتل أهل العلم والدين واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا وأنه استولى على الوقف الذي للمسلمين وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من النخشية السحرة وأمثالهم وأنه لما بنى المرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين كان أخس الناس نصيبا منه من كان إلى أهل الملل أقرب وأوفرهم نصيبا من كان أبعدهم عن الملل مثل الصابئة المشركين ومثل المعطلة وسائر المشركين. ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الإسلام ومحرماته ولا يحافظون على الفرائض كالصلاة ولا ينزعون عن محارم الله من الخمر والفواحش وغير ذلك من المنكرات حتى أنهم في شهر رمضان يذكر عنهم من إضاعة الصلاة وارتكاب الفواحش وفعل ما يعرفه أهل الخبرة بهم. ولم يكن لهم قوة وظهور إلا مع المشركين الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى إلى أن قال: وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه في المسلمين أشهر وأعرف من أن يوصف. انتهى.
ومع ما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى عن نصير الشرك الطوسي من الأفعال الشنيعة والأقوال الباطلة الوضيعة فقد خالفهما الصواف وصار معهما في طرفي نقيض حيث بالغ في الثناء على نصير الشرك ووصفه بما لا يستحقه وجعله من سلفه الصالح وفي هذا أوضح دليل على كثافة جهله وعدم تمييزه بين الطيب والخبيث.
وقد ذكر الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) عن عبيد الله بن الحسين القيرواني جد العبيديين أنه قال في رسالته
[ ١٩٢ ]
إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي القرمطي إذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به فعلى الفلاسفة معولنا وأنا وإياهم مجمعون على رد نواميس الأنبياء وعلى القول بقدم العالم لولا ما يخالفنا فيه بعضهم من أن للعالم مديرا لا نعرفه.
وذكر شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الرافضي نحو ذلك أيضا نقله عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني.
ورسالة عبيد الله إلى القرمطي تسمى عندهم بالبلاغ الأكبر والناموس الأعظم أوصاه فيها بالدعاء إلى مذهبهم الخبيث وأمره بالاحتفاظ بإخوانهم الفلاسفة وهذا مما يدعو كل مسلم إلى زيادة البغض للفلاسفة ومقتهم والبعد عنهم.
ولكن الأمر قد انعكس في زماننا فصار الانتساب إلى الفلسفة مألوفا عند كثير من المسلمين بل عند كثير من المنتسبين إلى العلم فإذا بالغوا في مدح العالم والثناء عليه قالوا: (هو فيلسوف). وكذلك الكلام المشتمل على الحكم يسمونه فلسفة ويجعلون الوصف بذلك تعظيما له وثناء عليه. وهو في الحقيقة تهجين له وعيب وذم، لأنه ليس للإسلام فلاسفة وليس الفلاسفة من المسلمين. وأقل ما يقال في ذلك أنه خلاف عرف المسلمين ولغتهم وعدول عن ذلك إلى عرف اليونان ولغتهم وذلك نوع من التشبه بهم. وفي الحديث الصحيح «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ وصححه ابن حبان وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية: إسناده جيد. وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح. وقال ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن. وقد احتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى وذلك يقتضي صحته عنده.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى وهذا الحديث
[ ١٩٣ ]
أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وأن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. انتهى.
وقد قال الله تعالى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وقال تعالى ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وقال تعالى ﴿فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وقال تعالى ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾.
فسماها الله تعالى حكمة ولم يسمها فلسفة. وكذلك سمى أهلها علماء وأئمة وربانيين وأحبارا ولم يسمهم فلاسفة. قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وقال تعالى ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.
وفي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها».
فسماها حكمة ولم يسمها فلسفة.
وروى أبو نعيم وغيره عن سويد بن الحارث ﵁ أن رسول الله - ﷺ - أثنى على وفد الأزد ووصفهم بأنهم حكماء علماء ولم يقل إنهم فلاسفة.
وفي حديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم
[ ١٩٤ ]