وأي حاجة بالشباب إلى القول على الله وعلى كتابه وعلى رسوله - ﷺ - وعلى المسلمين بغير علم وقد تقدمت الإشارة إلى مواضع ذلك في رسالة الصواف قريبا عند الكلام على ما نقله الصواف عن المحاسني، فليراجع.
وأي حاجة بالشباب إلى العبارات البشعة المنكرة جدا؛ كقول الصواف في صفحة ٣٩: وقد تمكن بعض العلماء من معرفة أشياء مهمة عن الأرض ومكوناتها. وقوله أيضا في صفحة ٤١: وبتقدم العلم أمكن إلى حد ما معرفة العناصر المكونة للشمس فوجدانها تتكون من نفس العناصر التي تتكون منها الأرض.
فأضاف تكوين الأرض والشمس إلى العناصر وهذا مذهب الطبيعيين الذين يزعمون أن الإيجاد والتكوين ناشئ عن الطبيعة، وذلك شرك بالله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي خلق العناصر، وخلق ما تكون منها، فلا يضاف التكوين إلى غيره.
ومن ذلك قوله في صفحة ٥٧: هذه الشمس التي ليست مصدر نورنا ونارنا فقط بل هي محور نظامنا السياري ومصدر حياتنا أيضا.
فجعل مصدر حياة البشر من الشمس، وذلك شرك بالله تعالى؛ لأن الحياة مصدرها من الله وحده؛ فهو الذي أوجد الخلق من العدم وهيأ الأسباب لحياتهم في الدنيا وفي الآخرة.
ومن ذلك قوله أيضا في صفحة ٥٧: إن الشمس لم تزل تجدد وزنها وحجمها؛ فجعل للشمس تصرفا في نفسها بتجديد الوزن والحجم وذلك شرك بالله تعالى.
[ ٢٩٣ ]
ومن ذلك قوله في صفحة ٦٨: وهل تعلم أن من علماء الهيئة المسلمين الذين رصدوا وألفوا وسهروا الليالي الطوال في مناجاة النجوم ورصد حركاتهم وسكناتها والناس نيام والعالم في غفوة وغفلة الشيخ أبو جعفر نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف.
فجعل نصير الشرك مسلما مع تصريحه بأنه كان يسهر الليالي الطوال في مناجاة النجوم. ومناجاة النجوم شرك بالله تعالى. وقد تقدم إيضاح ذلك في موضعه بما أغنى عن إعادته ههنا.
وأيضا فقد جعل العالم كله في غفوة وغفلة وجعل نصير الشرك هو المتيقظ المتنبه وحده؛ لأنه كان يسهر الليالي الطوال في مناجاة النجوم. وقد تقدم التنبيه على هذا التهور، فليراجع في موضعه.
ومن ذلك ما نقله في صفحة ٧٤ عن ابن باديس أنه قال في الشمس: إنها هي التي أبصرت القمر.
فأضاف أبصار القمر إلى الشمس، وذلك شرك بالله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي جعل الضياء في الشمس وجعله يمتد منها إلى القمر، وينعكس منه إلى الأرض وذلك كله خلق الله وفعله، فلا يضاف إلى غيره.
ومن ذلك ما في صفحة ١١٣ حيث سأل الله تعالى أن يشفع له بكتابه تعالى الله وتقدس عن قوله.
ومن ذلك قوله في صفحة ١١٧ - ١١٨: علم الفلك يبعث الإيمان ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلب الإنسان. وأنه قد قيل: إن أشد الناس إيمانا بالله هم علماء الطب وعلماء الفلك.
[ ٢٩٤ ]
وهذه إحدى الكبر من الصواف لو كان يعلم ما يقول.
إلى غير ذلك من العبارات المنكرة في كتاب الصواف، وقد تقدم الرد عليها مفصلا في مواضعه من هذا الكتاب سوى الأخير من أقواله، فسيأتي الرد عليه قريبا إن شاء الله تعالى.
وأما الهذيان والسخافات المضحكة فكثيرة جدا في كتابه.
فمن ذلك قوله في صفحة ٣٨: إن الأرض تدور حول الشمس في فلك يبلغ محيطه ٥٨٠ مليون ميل فمعدل سرعتنا في هذه الحركة يبلغ ٦٠ ألف ميل في الساعة أو بنحو ألف ميل في الدقيقة. والنظام الشمسي كله بما فيه الأرض ينهب الفضاء نهبا بسرعة لا تقل عن ٢٠ ألف ميل في الساعة أي أكثر من ٣٠٠ ميل في الدقيقة متجهة نحو برج هركيوليس.
ومن ذلك قوله في صفحة ٣٨: أما عمر الأرض فقد بدأ الإنسان تكهناته عنه من آماد بعيدة؛ ففي القرن السابع عشر قال أحد المفكرين واسمه "جيمس أوثر" أن العالم بدأ يوم ٢٦ أكتوبر سنة ٤٠٠٤ قبل الميلاد. وجاء في أحد الكتب الهندية المقدسة أن عمر العالم هو ١.٩٧٢.٩٤٩.٠٥٦ سنة. وفي العصر الحديث بدأت الجهود التي يبذلها الفلكيون في المراصد تلتقي عند أدق رقم يمكن أن يعتبر أصح تقدير لعمر الكرة الأرضية. فقد دلت آخر التقديرات القائمة على دراسات فلكية وأبحاث علمية في مراصد ليك ومونت ويلسون وبالومار على أن عمر الكرة الأرضية حوالي ٥٤٠٠٠٠٠٠٠٠ سنة. ونسبة الخطأ في تقدير هذا الرقم يقرب من ٢٠ %. ويعتمد الفلكيون في عمر الكرة الأرضية على النظرية القائلة بأن شيئا حدث في الفضاء في قديم الزمان جعل المادة تتناثر من مركز مشترك واحد. وقد دلت الدراسة التي استمرت ٢٠ عاما للضوء
[ ٢٩٥ ]
المنبعث من الكواكب البعيدة على أن هذه الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد في الفضاء. وأن سرعتها تزداد كلما ازداد ابتعادها. وقد قضى الفلكيون في معرفة ذلك سبعة أعوام بالمراصد المذكورة يراقبون ٨٠٠ كوكبا و٢٦ مجموعة من الكواكب.
ومن ذلك ما في صفحة ٣٩ عندما ذكر تخرصات المتخرصين عن الأرض ومعرفة تاريخها ونشأتها وعمرها، وكيف تكونت طبقاتها، وما طرأ على كل طبقة من تغيير. قال: وكل هذه الدراسات تضيف في كل لحظة وحين أدلة مشرقة على عظمة الخالق ووجود الصانع.
فجعل التخرصات والظنون الكاذبة من أعداء الله تعالى أدلة مشرقة على عظمة الخالق ووجود الصانع. هذا مبلغ علمه وحاصل عقله.
ومن ذلك قوله في صفحة ٤٣: وليس هناك أبلغ ولا أدق مما يقوله حجة علم الفلك العالم "سيمون" من أن أعظم الحقائق التي اكتشفها العقل البشري في كافة العصور هي حقيقة أن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض يكفي لتصويرها أننا لو سرنا بسرعة مليون ميل يوميا، فلن تصل مجموعتها الشمسية إلى هذا البرج إلا بعد مليون ونصف المليون سنة من وقتنا الحاضر. ثم قال: أليست هذه إحدى معجزات القرآن العلمية.
فانظر إلى هذه الجراءة العظيمة على القول على الله وعلى كتابه بغير علم.
ومن ذلك قوله في صفحة ٥٥: وقد ذكر علماء الجيولوجيا أن الأرض بعد انفصالها عن الشمس كانت تدور حول نفسها بسرعة أكبر مما هي عليه الآن إذ كانت تتم دورتها حول نفسها مرة كل أربع ساعات؛ فالليل والنهار كانا في
[ ٢٩٦ ]
مجموعهما أربع ساعات فقط. وبتوالي النقص في سرعة دورانها حول نفسها زادت المدة التي تتم فيها دورانها هذا. فزادت مدة الليل والنهار إلى خمس ساعات ثم ست حتى وصلت إلى أربع وعشرين ساعة، وهي التي نحن عليها الآن. وقد أظهر بعض العلماء أنه تمكن من احتساب النقص في سرعة دوران الأرض فوجد أن هذا النقص يبلغ حوالي ثانية واحدة كل مائة وعشرين ألف سنة. وعليه فبعد ٤٣٢ مليون سنة ينقص دوران الأرض بمقدار ساعة، وعندئذ يصبح مجموع ساعات الليل والنهار ٢٥ ساعة. وهكذا يتوالى النقص ويطرد طول الليل والنهار. وعلى هذا الأساس يقول العلماء: إن الأرض لا بد أن تقف يوما والله أعلم بذلك اليوم. وعند وقوفها يصبح الوجه المقابل للشمس نهارا دائما والوجه البعيد عنها ليلا دائما وهذا ما أشار إليه الرب في كتابه العزيز.
فانظر إلى هذه الجراءة العظيمة على القول على الله وعلى كتابه بغير علم.
ومن ذلك قوله في صفحة ٥٧: هذه الشمس هي آية من آيات الخالق وإن هي إلا آية صغيرة تزخر السماء بملايين من النجوم أضخم منها حجما وأكبر سرعة وأكثر تألقا. وقد قال علماء الفلك: إنما هي كرة هائلة من الغازات الملتهبة. قطرها يزيد عن مليون وثلث مليون كيلو متر. ومحيطها مثل محيط الأرض ٣٢٥ مرة، ويبلغ ثقلها ٣٣٢ ألف ضعف ثقل الأرض. وحرارة سطحها نحو ٦٠٠٠ درجة سنتجراد. وهذا السطح تندلع منه ألسنة اللهب إلى ارتفاع نصف مليون كيلو متر. وهي تنثر في الفضاء باستمرار طاقة قدرها ١٦٧٤٠٠ حصان من كل متر مربع. ولا يحصل للأرض منها إلا جزء من مليوني جزء. وهي لا تعتبر إلا نجمة ولكنها ليست في عداد النجوم الكبرى. وسطحها به عواصف وزوابع كهربائية ومغناطيسية شديدة.
[ ٢٩٧ ]
والمشكلة التي حيرت العلماء هي أن الشمس، كما يؤخذ من علم طبقات الأرض لم تزل تشع نفس المقدار من الحرارة منذ ملايين السنين. فإن كانت الحرارة الناتجة عنها نتيجة احتراقها فكيف لم تفنَ مادتها على توالي العصور، فلا شك أن طريقة الاحتراق الجارية فيها غير ما نعهد ونألف وإلا لكفاها ستة آلاف سنة؛ لتحترق وتنقد حرارتها. وقد زعم البعض أن النيازك والشهب التي تسقط على سطحها تعوض الحرارة التي تفقدها بطريق الإشعاع.
ومن ذلك ما ذكره في صفحة ٥٨ - ٥٩ - ٦٠ من الإعلانات لبعض الإفرنج المعاصرين عن انفجارات حدثت في الشمس في سنة ١٩٥٦ و١٩٥٧ ميلادية. منها ما يعادل القوة الناجمة عن تفجير مليوني قنبلة هيدروجينية وأنه حدث في منطقة أكبر بكثير من مساحة الكرة الأرضية. ومنها ما يعادل انفجار مائة مليون قنبلة هيدروجينية دفعة واحدة.
ومن ذلك قوله في صفحة ٦٠ (سكون الشمس وجريانها).
فجمع بين النقيضين.
ثم قال: والذين قالوا بقرارها قالوا هي ثابتة ومتحركة في آن واحد. ثابتة على محورها الذي أرساها الله لها ومتحركة حول هذا المحور أي: هي دائرة حول نفسها ومثلها مثل المروحة السقفية الكهربائية فهي ثابتة في سقفها وهي متحركة حول نفسها، وهؤلاء استدلوا بقوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وفسروا المستقر بالمحور. وقد قال بهذا القول رجال من سلف هذه الأمة الخيار.
فانظروا إلى هذه الجراءة على كتاب الله وحمله على غير ما يراد به.
[ ٢٩٨ ]
وانظروا أيضا إلى الافتراء على السلف الخيار من هذه الأمة ونسبة القول الباطل إليهم وهم براءة منه، وإنما هو من أقوال المتبعين لأهل الهيئة الجديدة المفتونين بتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة.
وقد نقض الصواف ما قرره في هذا الموضع من ثبات الشمس وتشبيهها بالمروحة السقفية الكهربائية بما قرره في صفحة ٩٩ وصفحة ١٠٠ أن الشمس تسير في كل برج شهرا وأنها تقطع البروج كلها مرة في السنة.
ومن ذلك قوله في صفحة ٦٧: أكتفي بهذا المقدار من النقل ولا أريد أن أسترسل إلا أني أود أذكر كيف أن العلماء تكلموا في الشمس والقمر وتكلموا في النجوم الثوابت والسيارات وقدروا الأبعاد بين الأرض والشمس وقدروا مقدار ضخامة الشمس عن الأرض وأن الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة وثمانية وعشرين ألف مرة. وأن الشمس تبعد عن الأرض بأربعة وثلاثين مليون فرسخ فرنسي. والخلاصة أنهم لم يتركوا بابا إلا طرقوه وسواء كانوا مخطئين في تقديراتهم أم مصيبين فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم. وما صنعوا ذلك إلا بوحي من دينهم وأملا في خدمة هذا الدين الذي وهبوه كل شيء حياتهم وأموالهم وجهدهم وعلمهم وجهادهم وسهرهم وعرقهم في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم. ورحم الله علماءنا الأعلام وجزاهم عما قدموا خير ما يجزي عاملا عن عمله.
ومن ذلك قوله في صفحة ٧١ يقول اللورد افبري: إن سطح القمر صحاري وقفار تتناهض فيها البراكين الخامدة وجباله ضخمة عظيمة يبلغ ارتفاعها ٤٢ قدم بزيادة تقرب من ١٣ ألف قدم على أعلى جبل على سطح
[ ٢٩٩ ]
الأرض. وفوهات البراكين هائلة العظمة يبلغ قطرها ٧٨ ميلا. ويقولون أن جبال القمر أقدم بكثير من سلاسل الجبال الأرضية بملايين السنين.
ومن ذلك قوله في صفحة ٧٨: واتفق علماء الفلك في العصر الحديث بعد الاكتشافات والبحوث العلمية أن جرم القمر - كالأرض - كان منذ أحقاب طويلة وملايين السنين شديد الحمو والحرارة ثم برد فكانت إضاءته في زمان حموه وزالت لما برد.
ومن ذلك قوله في صفحة ٨٣: إن الخيال لا يمكن أن يتصور أن مرصد كاليفورنيا التقط أخيرا صورة عمرها ستة آلاف مليون سنة. أن علماء الفلك أعلنوا حديثا أن هذه الصورة العجيبة أرسلت من إحدى النجوم واستمرت رحلتها ستة آلاف مليون سنة؛ لتصل إلى الأرض. وحقائق أخرى غريبة اكتشفها الإنسان تؤكد كلها أن الأرض ما هي إلا فقاعة في محيط. حقائق أقل ما توصف به أنها مذهلة مذهلة. ثم ذكر في صفحة ٨٣ وما بعدها إلى آخر صفحة ٨٧ هذيانا كثيرا لبعض الفلكيين من الإفرنج. حاصله أن بعضهم قال: إن الشمس ترسل موجات راديو وأنهم اكتشفوا نجمة جديدة قوية تبعد عن الأرض بمسافة ١٥٠٠ مليون سنة ضوئية. وأنهم في عام واحد اكتشفوا ٣٥ منها أطلقوا عليها اسم أشباه النجوم. وأن الضوء في انتقاله إلينا من أشباه النجوم يستغرق في الرحلة ستة آلاف مليون سنة. ولذلك فالمنظر الذي نراه اليوم لهذه الأجرام السماوية النائية، هو المنظر الذي كانت عليه منذ ستة آلاف مليون سنة. وفي ذلك الوقت لم تكن الشمس ولا المجموعة الشمسية موجودة بعد، إذ أن عمر الشمس هو خمسة آلاف مليون سنة فقط، كما يقولون - إلا أن قال - وقد خرج العلماء بعد هذا بثلاث نظريات علمية مثيرة. أن هذه
[ ٣٠٠ ]
النظريات تقول: إن الكواكب الأخرى مسكونة، وأن سكانها سبقوا أهل الأرض في إطلاق سفن الفضاء وتفجير القنابل الذرية. إن هذه النظرية أشبه بالخيال.
الشمس ليست إلا نجمة من النجوم المتوسطة. والمجموعة التي تنتمي إليها الشمس فيها ١٠٠٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ أي: مائة ألف مليون نجمة، وبالكون آلاف الملايين من مثل هذه المجموعات. وبين الرقم المجهول الذي ذكرناه للنجوم توجد عشرة آلاف مليون نجمة تؤلف حولها أسرا؛ كأسرة الشمس أي: توجد عشرة آلاف مليون نجمة تدور حولها الكواكب، ثم ذكر الصواف أنه نقل الهذيان من جريدة المدينة عدد ٦٤٨ - ٦٠٤.
ومن ذلك ما نقله في صفحة ٩٣ عن تفسير طنطاوي جوهري أنه قال: كيف تجعل الكواكب التي عدت بمئات الملايين؛ كأنها درر مرصعة في سقفنا - إلى أن قال: فالشمس من تلك الشموس تشرف على سياراتها وعلى أراضيها ثم هي من جهة تجعل زينة في سماء كل شمس وكل أرض وكل سيارة، وكما أن الكواكب مرصعة في سمائنا فإن شمسنا مرصعة في ملايين الآفاق المحيطة بالكرات.
ومن ذلك قوله في صفحة ٩٧ يقول علماء الفلك: إن من النجوم نجوما سوف لا يصل نورها إلى كرتنا الأرضية في أقل من ألف وخمسمائة مليون سنة ضوئية، مع العلم بأن الضوء يسير في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلوا متر. ويصل في سيره إلى القمر في قدر ثانية وثلث الثانية. ولو جرى حول الكرة الأرضية لدار حولها في الثانية الواحدة ثماني مرات. ولو أطلق مدفع فإن قنبلة تجري وتسير نحو سنة ونصف السنة حتى تقطع المسافة التي يقطعها الضوء في ثانية واحدة.
[ ٣٠١ ]
ومن ذلك قوله في صفحة ٩٨ - ٩٩ يقول علماء الفلك: إن الشعرى اليمانية أثقل من الشمس جرما بعشرين مرة، ونورها خمسون ضعف نور الشمس، وهي أبعد منها مليون ضعف بعدها عنا، وإن الشعرى اليمانية تجري بسرعة ألف ميل في الدقيقة، والشعرى اليمانية أسطع من خمسين شمسا كشمسنا ولا يصل إلينا نورها إلا في ستة عشر سنة. ولا يصل من نورها إلينا إلا واحد من ألفي مليون منه، وثلاث من بنات نعش يفقن الشمس نورا، واحدة منهن أربعمائة ضعف. والثانية أربعمائة وثمانين. والثالثة ألف ضعف. وسهيل أضوأ من الشمس ألفين وخمسمائة مرة. والسماك الرامح حجمه ثمانون ضعف حجم الشمس ولا يصل إلينا ضوؤه إلا في سنة.
ومن ذلك ما نقله في صفحة ١٠١ عن موسى جار الله أنه قال في كتابه "ترتيب السور الكريمة": زهقت الهيئة القديمة وجاء النظام الحق نظام السموات التي رفعها الله بغير عمد ترونها. وهذه السموات لها منظومات. منها منظومة شمسنا هذه بسياراتها التسع. وشمسنا هذه أليست من كبار الشموس ومنظومتنا هذه ليست من كبار المنظومات وكل منظومة من هذه المنظومات يسميها القرآن برجا. والسماء التي تحوي كل هذه المنظومات يسميها القرآن الكريم السماء ذات البروج، بها أقسم الله في كتابه الكريم سورة البروج. وهذه السماء ذات البروج التي تحوي كل هذه المنظومات يحدث خلال منظوماتها كل يوم انشقاقات. وبتلك الانشقاقات يحدث في المجرة وخارجها سموات. وللإشارة وللإرشاد وإلى مثل هذه الحوادث الهائلة العظيمة وضعت سورة البروج بعد سورة الانشقاق.
ومن ذلك قوله في صفحة ١٠٣: يتضمن هذا الكون خمسمائة مليون مليون من المجرات كما يقدر علماء الفلك. وفي كل مجرة مائة ألف مليون نجم. وأن
[ ٣٠٢ ]
أقرب مجرة إلى الأرض تلك التي نشاهد جزءا منها كخط أبيض في الليل تمتد مساحتها مائة ألف عام بالنسبة إلى عام الضوء. ونحن سكان الأرض نبتعد عن هذه المجرة مقدار ثلاثين ألف عام من الضوء. ثم إن هذه المجرة جزء لمجرة كبيرة تتضمن سبع عشرة مجرة وتمتد أبعاد هذه المجموعة في مساحة مليوني عام من الضوء. ثم إن هناك حركة أخرى غير هذه الدورات، وهي أن الكون كله يتوسع ويتضخم مثل الكرة في الجوانب الأربعة. والشمس تجري بسرعة هائلة تبلغ اثني عشر ميلا في ثانية نحو الجانب الخارجي لمجرته وتقود كل ما يتبع النظام الشمسي. وكذلك النجوم كلها تتوجه إلى أي جانب بسرعة متزايدة مع متابعة دورانها فمنها ما يبلغ سيره ثمانية أميال في كل ثانية وما يبلغ سيره ثلاثة وثلاثين ميلا في ثانية وأربعة وثمانين ميلا في ثانية. وهكذا نجد النجوم كلها متوجها نحو الأمام.
ومن ذلك أنه ذكر في صفحة ١٠٧ آيتين في ذكر السموات السبع ثم قال في صفحة ١٠٨: أن التقدم الذي أحرزه العلم الفزيقي، وظهور الكشوف العلمية الحديثة في الفلك قد مكنت العلماء من فهم هذه السموات السبع والأراضي السبع. فقد أثبت العلم بأن الشمس والقمر والنجوم والمذنبات والنيازك والشهب والسدم، إنما هي سموات فوق سموات تتألف منها عوالم الكون. يقول العالم الفلكي "أرثر فندلاي" في كتابه " على حافة العلم الأثيري": إن العلم أثبت أن السموات السبع هي أفضية مناسبة يتبعثر خلالها، ويرتد ضوء الشموس السبع الأثيرية التي تحيط بالشمس الفزيقية من كل جانب. وأكد أن الأراضي السبع هي كرات أثيرية تحيط بالكرة الأرضية وتتخللها.
ومن ذلك قوله في صفحة ١١٤: إن الكثير من شبابنا اليوم في حاجة ماسة
[ ٣٠٣ ]
إلى مثل هذه الكتب - يعني كتابه وما أشبه من الكتب المضلة - لتلقي لهم ضوءا على ماضيهم المشرق وتكشف لهم الحجاب عن حضارتهم الرائعة التي طمسها الأعداء أو كادوا.
ومن ذلك قوله في صفحة ١١٧: ومن هذا المنطلق وجدت نفسي مضطرا إلى توسيع هذا الكتاب إلى الحد الذي وصل إليه لعلي أساهم بجهد المقل في بث الوعي الإسلامي بإلقاء شيء من الأضواء على علم خطير من العلوم التي اشتغل بها علماؤنا الأعلام ﵃ وأرضاهم حتى كانوا أئمة فيه، ألا وهو علم الفلك.
فهذه نماذج مما في كتاب الصواف من الهذيان والسخافات التي يضحك منها كل عاقل، وقد تقدم الرد عليها مفصلا في مواضعه من هذا الكتاب سوى الأخير من أقواله، فسيأتي الرد عليه قريبا إن شاء الله تعالى.
وإذا علم ما ذكرنا من هذه النماذج السخيفة، وما قبلها من العبارات البشعة المنكرة جدا، فلا يقول: إن الكثير من شبابنا اليوم في حاجة ماسة إلى الكتاب الذي قد اشتمل عليها وعلى أضعاف أضعافها من التخرصات والظنون الكاذبة وإلى أمثاله من الكتب المضلة؛ لتلقي لهم ضوءا على ماضيهم المشرق وتكشف لهم الحجاب عن حضارتهم الرائعة إلا من هو في غاية الجهل والغباوة ومن لا يعرف الفرق بين الكتب النافعة والكتب الضارة.
الوجه الثالث: أن الله تعالى ذم التخرص واتباع الظن بأبلغ الذم فقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ
[ ٣٠٤ ]
مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾.
وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد خالف الصواف ما ذكرنا من الآيات والحديث الصحيح حيث حشا كتابه من تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة، ولم يكتفِ بالمخالفة لما جاء عن الله تعالى ورسوله - ﷺ - بل ضم إلى ذلك الترغيب، فيما ذمه الله ورسوله - ﷺ - حيث زعم أن الكثير من الشباب اليوم في حاجة ماسة إلى كتابه وأمثاله من الكتب المشتملة على التخرصات والظنون الكاذبة، وهذا عين المحادة لله ولرسوله - ﷺ -.
الوجه الرابع: قد تقدم في أول الكتاب أحاديث كثيرة في الخوف من التصديق بالنجوم. والنهي عن النظر فيها. وعن مجالسة من ينظر فيها. والأمر بالإمساك إذا ذكرت. وأن من اقتبس بابا من علم النجوم لغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شعبة من السحر. وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا وفيه «وتعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا». وحديث عمر ﵁ بنحوه. وحديث ابن عباس ﵄ «رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق».
وقد خالف الصواف جميع ما أشرنا إليه من الأحاديث التي سبق ذكرها
[ ٣٠٥ ]
في أول الكتاب حيث رغب الناس في كتابه الذي قد اشتمل على التخرص في النجوم وزعم أن الكثير من الشباب اليوم في حاجة ماسة إليه وإلى أمثاله من الكتب المضلة، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
يقضي على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن بالحسن>
وأحسن من ذلك، وأبلغ قول الله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
الوجه الخامس: ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه "بيان فضل علم السلف على علم الخلف" حديث ابن عباس ﵄: «رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق» ثم قال: وهذا محمول على علم التأثير لا علم التسيير فإن علم التأثير باطل محرم والعمل بمقتضاه؛ كالتقرب إلى النجوم وتقريب القرابين لها كفر. وأما علم التسيير فإذا تعلم ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القلة والطرق كان جائزا عند الجمهور وما زاد عليه، فلا حاجة إليه وهو يشغل عما هو أهم منه. وكذلك التوسع في علم الأنساب، هو مما لا يحتاج إليه، وقد سبق عن عمر وغيره النهي عنه.
قلت قد تقدم حديث عمر ﵁ في أول الكتاب، وتقدمت الإشارة إليه في الوجه الرابع.
قال ابن رجب وكذلك التوسع في علم العربية لغة ونحوا هو مما يشتغل عن العلم الأهم والوقوف معه يحرم علما نافعا. وقد كره القاسم بن مخيمرة علم النحو وقال: أوله شغل وآخره بغي. وأراد به التوسع فيه. وكذل كره الإمام أحمد التوسع في معرفة اللغة وغريبها وأنكر على أبي عبيد توسعه في ذلك وقال: هو يشغل عما هو أهم منه. ولهذا يقال العربية في الكلام كالملح
[ ٣٠٦ ]
في الطعام، يعني أنه يؤخذ منها ما يصلح الكلام كما يؤخذ من الملح ما يصلح الطعام وما زاد على ذلك، فإنه يفسده. وكذلك علم الحساب يحتاج منه إلى ما يعرف به حساب ما ينفع من قسم الفرائض والوصايا والأموال التي تقسم بين المستحقين لها والزوائد على ذلك مما لا ينتفع به إلا في مجرد رياضة الأذهان وصقالها لا حاجة إليه، ويشغل عما هو أهم منه. وأما ما حدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالما بها فهو جاهل أو ضال وكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. ثم ذكر من ذلك ما أحدث المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال لله وما أحدثه أهل الرأي من الضوابط والقواعد العقلية والجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام. وكذلك ما أحدثه غيرهم من الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب بمجرد الرأي والذوق والكشف.
قلت ومن ذلك ما أحدثه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من الكلام في الأرض والسموات والشمس والقمر والنجوم بمجرد التخرصات واتباع الظنون الكاذبة والتعاطي لما استأثر الله به من علم الغيب. وهذا هو الذي أودعه الصواف في كتابه وزعم أن الكثير من الشباب اليوم في حاجة ماسة إلى معرفته، وهذا إن لم يكن شرا من علم التأثير الذي لا خلاف في تحريمه، فليس بدونه.
وإذا كان التوسع في علم النسب والنحو واللغة والحساب مكروها عند بعض علماء السلف، وكذلك التوسع في علم النجوم، قد ورد النهي عنه، كما تقدم في حديث أبي هريرة المرفوع، وحديث عمر الموقوف، فماذا يقال فيمن يرغب الناس فيما نهى الله ورسوله - ﷺ - عنه من التخرصات واتباع الظنون الكاذبة، والتعاطي لعلم الغيب.
[ ٣٠٧ ]