يقول علماء الفلك أن الشعرى اليمانية أثقل من الشمس جرما بعشرين مرة ونورها خمسون ضعف نور الشمس. وهي أبعد منها مليون ضعف بعدها عنا. وأن الشعرى اليمانية تجري بسرعة ألف ميل في الدقيقة. لذا خصها الله ﷿ في كتابه العزيز إذ قال ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ وهناك الشعرى الشامية لها خصائص ومميزات أخرى. والشعرى اليمانية هذه التي نراها قبل اليمن وهي في النظر بقدر الجوزة أو البيضة وهي أسطع من خمسين شمسا إلا واحد من ألفي مليون منه. وثلاث من بنات نعش يفقن الشمس نورا. واحدة منهن أربعمائة ضعف. والثانية أربعمائة وثمانين. والثالثة ألف ضعف. وسهيل أضوأ من الشمس ألفين وخمسمائة مرة. والسماك الرامح حجمه ثمانون ضعف حجم الشمس ولا يصل إلينا ضوؤه إلا في مائتي سنة.
هذه كلها تقديرات علماء الفلك والله أعلم بصحتها. ولكنها تدل بوضوح على عظمة الخالق جل وعلا وكمال قدرته وفائق صنعته.
والجواب أن يقال ما ذكره الصواف ههنا عن الفلكيين فكله هوس وهذيان لا يصدر من عاقل، وهو مما يضحك منه السفهاء فضلا عن العقلاء. ولا يروج إلا على من أضله الله وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة.
فأما زعمهم أن الشعرى اليمانية أثقل من الشمس جرما بعشرين مرة.
فجوابه أن يقال لو اجتمع الأولون والآخرون من الإنس والجن لما قدروا على وزن جبل من الجبال. وهم عن الارتقاء إلى السماء ووزن ما فيها من الشمس والنجوم أعجز وأعجز.
ولم يأت عن الله تعالى ولا عن رسوله - ﷺ - نص بقدر وزن الشمس
[ ٢٤٤ ]
والنجوم. وما ليس عليه دليل فليس عليه تعويل. ومن زعم معرفة وزنها وما بين بعضها والبعض الآخر من التفاوت في الثقل فليس له مستند سوى التخرص والرجيم بالغيب. وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
وأما زعمهم أن الشعرى اليمانية أبعد من الشمس مليون ضعف بعدها عنا
فجوابه أن يقال قد زعم أهل الهيئة الجديدة أن الشمس تبعد عن الأرض أربعة وثلاثين ألف ألف فرسخ وخمسمائة ألف فرسخ. ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٣٤ من كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) وهذه المسافة تطابق اثني عشر ألف سنة أو قريبا من ذلك. فعلى هذا يكون بعد الشعرى عن الأرض اثني عشر ألف مليون سنة على حد زعمهم. وهذا من أقبح الهوس والهذيان. وهو مردود بنصوص القرآن على أن الكواكب قد جعلت زينة للسماء الدنيا.
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» وعلى هذا فالمسافة بين الأرض وبين الشعرى خمسمائة سنة فقط.
وعلى قول الفلكيين تكون الشعرى فوق العرش وهذا من أبطل الباطل فإنه ليس فوق العرش شيء سوى الله ﵎.
وأما زعمهم أن الشعرى اليمانية تجري بسرعة ألف ميل في الدقيقة.
فجوابه أن يقال: إن الشعرى اليمانية كسائر النجوم الثوابت فكلها في
[ ٢٤٥ ]
فلك واحد تجري فيه على نسق مضبوط لا يتقدم شيء منها على غيره ولا يتأخر عنه كما هو معلوم بالمشاهدة.
وأما قوله لذا خصها الله ﷿ في كتابه العزيز إذ قال ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾.
فجوابه أن يقال إنما خصها الله بالذكر دون غيرها من النجوم، لأن طائفة من العرب كانوا يعبدونها فأخبر الله تعالى أنها مخلوقة مربوبة. والعبادة لا تصلح لشيء من المخلوقات وإنما هي من خصائص الرب ﷻ.
ونظير هذه الآية قوله تعالى ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
فأما زعم الصواف أن الله تعالى خص الشعرى بالذكر من أجل ما زعمه الفلكيون من سرعة جريانها، فذلك من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه.
وأما قوله وهناك الشعرى الشامية لها خصائص ومميزات أخرى.
فجوابه أن يقال: إن الشعرى الشامية كغيرها من النجوم التي قد جعلها الله زينة للسماء الدنيا. وما كان في السماء فالقدرة البشرية عاجزة عن الوصول إليه والعلم بخصائصه ومميزاته. ولم يخبر الله تعالى في كتابه ولا رسوله - ﷺ - أن الشعرى الشامية لها خصائص ومميزات. فمن زعم أن لها خصائص ومميزات سوى ما يشاهده الناس من ضعف ضوئها عن ضوء الشعرى اليمانية فقوله مردود عليه إذ لا مستند له سوى التخرص والرجم بالغيب.
وأما زعمهم أن الشعرى اليمانية نورها خمسون ضعف نور الشمس وأنها أسطع من خمسين شمسا كشمسنا. وأن ثلاثا من بنات نعش يفقن الشمس
[ ٢٤٦ ]
نورا. واحدة منهن أربعمائة ضعف. والثانية أربعمائة وثمانين. والثالثة ألف ضعف. وأن سهيلا أضوأ من الشمس ألفين وخمسمائة مرة.
فجوابه أن يقال: إن الشمس في السماء بنص القرآن، والنجوم قد جعلت زينة للسماء الدنيا بنص القرآن. فلو كان الأمر في هذه النجوم على ما زعمه الفلكيون لما كان عند أهل الأرض ليل أبدا، ولطمس ضوء هذه النجوم ضوء الشمس ونور القمر. بل لو كان الأمر على ما زعموه فيها لاحترق ما بين الخافقين ولم يمكن أن يعيش على الأرض شيء من شدة حرارة الشموس المزعومة.
وقد استوفيت الرد على ما زعموه من تعدد الشموس في الصواعق الشديدة في المثال الحادي عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع هناك.
وذكرت طرفا من ذلك في أثناء هذا الكتاب مع الكلام على مزاعم الصواف في الشمس فليراجع أيضا.
وأما زعمهم أن السماك الرامح حجمه ثمانون ضعف حجم الشمس.
فجوابه أن يقال هذا تخرص وهذيان مردود بنص القرآن. قال الله تعالى مخبرا عن مناظرة إبراهيم ﵇ لقومه ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وفي هذه الآيات دليل على أن الشمس أكبر من الكواكب.
[ ٢٤٧ ]
وأيضا فإن السماك الرامح من جملة المصابيح التي قد جعلها الله زينة للسماء الدنيا. قال الله تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ والشمس في السماء بنص القرآن قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ قال الحسن في قوله ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ الآية. قال يعني في السماء الدنيا. ذكره البغوي في تفسيره.
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وزينها بمصابيح وجعلها رجوما للشياطين وحفظا من كل شيطان رجيم».
وروى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال «خلق الله سبع سموات وخلق فوق السابعة الماء وجعل فوق الماء العرش وجعل في السماء الدنيا الشمس والقمر والنجوم والرجوم».
وإذا كان كل من الشمس والنجوم في السماء الدنيا فلا شك أن حجم الشمس يزيد على حجم السماك الرامح وغيره من النجوم الكبار عدة آلاف. وكيف يظن أن السماك الرامح يزيد حجمه على حجم الشمس ثمانين ضعفا مع أنه لا يزيد في رأي العين على حجم التمرة. والشمس ترى في الأفق
[ ٢٤٨ ]
عند طلوعها وعند غروبها بقدر ذراعين طولا في ذراعين عرضا. فمن قال أن حجمها دون حجم السماك الرامح أو غيره من النجوم فقوله باطل مردود بما ذكرنا من الآيات والأحاديث والله أعلم.
وتمام الرد على هذا الزعم الكاذب قد تقدم مبسوطا مع الكلام على مزاعم الصواف في الشمس فليراجع هناك.
وأما زعمهم أن الشعرى اليمانية لا يصل إلينا نورها إلا في ستة عشر سنة. وأنه لا يصل إلينا من نورها إلا واحد من ألفي مليون منه. وأن السماك الرامح لا يصل إلينا ضوؤه إلا في مائتي سنة.
فجوابه أن يقال قد ذكر محمد رشيد رضا في صفحة ٦٣٧ من الجزء السابع من تفسيره أنه قد وجد بالرصدان السماك الرامح يصل النور منه إلينا في نحو خمسين سنة.
وهذا ما ذكره الصواف ههنا كله هذيان لا مستند له سوى التخرص والرجم بالغيب. وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
والشعرى اليمانية والسماك الرامح وغيرهما من الكواكب النيرة يرى نورها من حين تبدو من الأفق إذا لم يكن هناك حائل يمنع من رؤيتها. وكلها من زينة السماء الدنيا كما نص الله على ذلك في كتابه العزيز. فالتفريق بين أبعادها ووصول نورها إلى الأرض تفريق بين أشياء متماثلة وذلك باطل مردود
[ ٢٤٩ ]
وفيما ذكره الصواف عن الفلكيين أنهم قالوا أن السماك الرامح لا يصل ضوؤه إلينا إلا في مائتي سنة مع ما ذكره محمد رشيد عنهم أنهم قالوا إن السماك الرامح يصل النور منه إلينا في نحو خمسين سنة وما بين هذين القولين من التفاوت العظيم في بعد نجم واحد أوضح دليل على تناقض الفلكيين وكذبهم في جميع مزاعمهم عن أبعاد النجوم ومقادير أحجامها وأضوائها وثقلها وأنهم أنا يعتمدون في ذلك على مجرد التخرصات والظنون الكاذبة.
وأما قوله هذه كلها تقديرات علماء الفلك والله أعلم بصحتها ولكنها تدل بوضوح على عظمة الخالق جل وعلا وكمال قدرته وفائق صنعته.
فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن يقال أن ما في السماء فهو من أمور الغيب التي لا تُعلم إلا من طريق الوحي ولا سبيل إلا علمها بالتقديرات التي هي التخرص واتباع الظن. ولا وهي على شيء مما زعمه الفلكيون في تقديراتهم عن النجوم البتة؛ وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
الوجه الثاني: أن تقديرات الفلكيين عن النجوم مخالفة لنصوص القرآن كما تقدم إيضاحه. وما خالف النصوص فهو باطل مردود على قائله كائنا من كان.
الوجه الثالث: أن يقال إن الله ﵎ أعظم وأجل من أن يستدل على عظمته وكمال قدرته وفائق صنعته بتخرصات الفلكيين وظنونهم الكاذبة، وإنما يستدل على ذلك بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - فذلك
[ ٢٥٠ ]