وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي: انشقت ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ قوله: فجرت، أي: شقت. فهذا الانشقاق إنما يكون يوم القيامة. ومن زعم أن السماء تشقق في الدنيا فقد كذب.
وأما قوله: وللإشارة وللإرشاد وإلى مثل هذه الحوادث الهائلة العظيمة وضعت سورة البروج بعد سورة الانشقاق.
فجوابه أن يقال: هذا من القرمطة والإلحاد في القرآن، وليس في القرآن ما يشير إلى الانشقاقات التي زعم أنها تحدث كل يوم ولا إلى حدوث السموات التي توهمها أعداء الله بعقولهم الفاسدة.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١٠٣ ما نصه:
يتضمن هذا الكون خمسمائة مليون من المجرات كما يقدر علماء الفلك. وفي كل مجرة مائة ألف مليون نجم. وأن أقرب مجرة إلى الأرض تلك التي نشاهد جزءا منها كخط أبيض في الليل تمتد مساحتها مائة ألف عام بالنسبة إلى عام الضوء، ونحن سكان الأرض نبتعد عن هذه المجرة مقدار ثلاثين ألف عام من الضوء، ثم أن هذه لمجرة كبيرة تتضمن سبع عشرة
[ ٢٥٨ ]
مجرة وتمتد أبعاد هذه المجموعة في مساحة مليوني عام من الضوء، ثم أن هناك حركة أخرى غير هذه الدورات، وهي أن الكون كله يتوسع ويتضخم مثل الكرة في الجوانب الأربعة. والشمس تجري بسرعة هائلة تبلغ اثني عشر ميلا في ثانية نحو الجانب الخارجي لمجرته وتقود كل ما يتبع النظام الشمسي وكذلك النجوم كلها تتوجه إلى أي جانب بسرعة متزايدة مع متابعة دورانها، فمنها ما يبلغ سيره ثمانية أميال في كل ثانية، وما يبلغ سيره ثلاثة وثلاثين ميلا في ثانية وأربعة وثمانين ميلا في ثانية. وهكذا نجد النجوم كلها متجهة نحو الأمام.
والجواب أن يقال: كل ما ذكره في هذا الفصل فهو تخرص وهذيان، لا مستند له سوى وحي الشياطين بعضهم إلى بعض، ولا يعتمد عليه أو يُصغي إليه إلا مَنْ هو جاهل مغرور.
فأما زعمه أن هذا الكون يتضمن خمسمائة مليون مليون من المجرات، وأن كل مجرة فيها مائة ألف مليون نجم.
فجوابه أن يقال: مثل هذا لا يعلم إلا من طريق الوحي ولا وحي على ذلك البتة، وحينئذ فليس مع من يدعي إحصاء المجرات والنجوم سوى اتباع الظن الكاذب. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
وليس في السماء سوى مجرة واحدة، كما هو معلوم بالمشاهدة، ومن زعم وجود غيرها فعليه الدليل من الكتاب أو السنة، ولن يجد إلى ذلك سبيلا.
[ ٢٥٩ ]
وأما زعمه أن المجرة تمتد مساحتها مائة ألف عام بالنسبة إلى عام الضوء.
فجوابه أن يقال: هذا من جنس ما قبله من التخرص واتباع الظن الكاذب.
وأما زعمه أن المجرة تبعد عن سكان الأرض مقدار ثلاثين ألف عام من الضوء.
فجوابه أن يقال: هذا من أبطل الباطل؛ لأن المجرة على هذا التقدير تكون فوق العرش وليس فوق العرش شيء سوى الله ﵎.
وقد علم بالمشاهدة أن المجرة تسير سير الكواكب الثوابت لا تتقدم على شيء منها ولا تتأخر عنه. والنجوم قد جعلت زينة للسماء الدنيا بنص القرآن وبين السماء الدنيا وبين الأرض خمسمائة سنة بنص الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ -. وعلى هذا فليس بين المجرة وبين سكان الأرض سوى خمسمائة سنة.
ويشهد لهذا ما رواه الطبراني من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن هرقل كتب إلى معاوية ﵁، وقال إن كان بقي فيهم شيء من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه، قال: فكتب إليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن بقعة لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة، قال: فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال: إن هذا لشيء ما كنت آبه له أن أسأل عنه إلى يومي هذا. من لهذا، قيل: ابن عباس، فطوى معاوية كتاب هرقل فبعث به إلى ابن عباس ﵄، فكتب إليه (إن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق والمجرة باب السماء الذي تنشق منه وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من النهار فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل) قال ابن كثير: إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵄. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
[ ٢٦٠ ]
قلت: وقد رواه سعيد بن منصور في سننه والبخاري في (الأدب المفرد) مختصرا وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ولفظ البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ (القوس أمان لأهل الأرض من الغرق والمجرة باب السماء الذي تنشق منه) ورواه البخاري أيضا من حديث يوسف بن مهران عن ابن عباس ﵄ قال: (أبواب السماء وأما قوس قزح فأمان من الغرق بعد قوم نوح) في إسناده علي بن زيد، وهو حسن الحديث وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات.
وروى البخاري أيضا في (الأدب المفرد) وابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل عليا ﵁ عن المجرة فقال: (هي شرج السماء ومنها فتحت السماء بماء منهمر).
وأما زعمه أن هذه المجرة جزء لمجرة كبيرة تتضمن سبع عشرة مجرة وتمتد أبعاد هذه المجموعة في مساحة مليوني عام من الضوء.
فجوابه أن يقال: هذا من جنس ما قبله من التخرص واتباع الظن الكاذب. وليس يرى في السماء سوى مجرة واحدة، وما لم يشاهد بالأبصار، فهو من المغيبات التي لا تعلم إلا من طريق الوحي ولا وحي على شيء مما زعموه البتة، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ومن ادعى علم المغيبات، فهو طاغوت ومن صدقه فهو ممن آمن بالطاغوت، وأما زعمه أن الكون يتوسع ويتضخم
فجوابه أن يقال: هذا أيضا من التخرص واتباع الظن الكاذب.
وأما زعمه أن الشمس تجري بسرعة هائلة نحو الجانب الخارجي إلى قوله: وهكذا نجد النجوم كلها متجهة نحو الأمام.
[ ٢٦١ ]