وعلى سمعهم والغشاوة على أبصارهم.
وروى ابن جرير أيضا عن ابن جريج قال الختم على القلب والسمع. والغشاوة على البصر.
قال ابن جرير والغشاوة في كلام العرب العطاء ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص.
تبعتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها
فصل
وقال الصواف في صفحة ٩٣ نقلا عن تفسير طنطاوي جوهري ما ملخصه:
إن العجب ليأخذنا كل مأخذ ويدهشنا أن نكون في عالم بديع الإتقان عجيب البنيان - إلى أن قال - كيف تجعل الكواكب التي عدت بمئات الملايين كأنها درر مرصعة في سقفنا - إلى أن قال - ولبديع وحسن الإتقان ومال الوضع تتراءى لنا أنها إنما وضعت لأجلنا وليزين بها سقفنا - إلى أن قال - فالشمس من تلك الشموس تشرف على سياراتها وعلى أراضيها. ثم هي من جهة تجعل زينة في سماء كل شمس وكل أرض وكل سيارة ويكون قدرها في تلك الزينة مختلفا باختلاف الآفاق التي تتراءى لها. وكما أن الكواكب مرصعة في سمائنا، فإن شمسنا مرصعة في ملايين الآفاق المحيطة بالكرات.
والجواب أن يقال هذا كله هذيان لا حاصل تحته. وتفسير طنطاوي جوهري مملوء من الهذيان وتخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة، فلا يغتر به.
وما زعمه من تعدد الشموس فقد تقدم رده في أثناء الكتاب مع الكلام على مزاعم الصواف في الشمس فليراجع هناك. وكذلك قد استوفيت الرد
[ ٢٣٢ ]
عليه في الصواعق الشديدة في المثال الحادي عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع أيضا.
وأما قوله ولبديع وحسن الإتقان وجمال الوضع تتراءى لنا أنها وضعت لأجلنا وليزين بها سقفنا.
فجوابه أن يقال وما تنكر من ذلك والله ﵎ يقول ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ويقول أيضا ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الآيات إلى قوله ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ويقول أيضا ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ويقول أيضا ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ويقول أيضا ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ ويقول أيضا ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ويقول أيضا ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ ويقول أيضا ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ ويقول أيضا ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ويقول أيضا ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾.
ففي هذه الآيات النص على أن الله تعالى قد جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا التي هي سقف ما تحتها من المخلوقات، وجعلها أيضا للناس ليهتدوا بها
[ ٢٣٣ ]
في ظلمات البر والبحر، وفيها أيضا الرد على من تأول في النجوم خلاف ما أخبر الله به ورسوله - ﷺ -.
وقد قال قتادة رحمه الله تعالى خلق الله هذه النجوم لثلاث جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به. ذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به ووصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم وغيرهما.
وأما قوله فالشمس من تلك الشموس تشرف على سياراتها وعلى أراضيها ثم هي من جهة تجعل زينة في سماء كل شمس وكل أرض وكل سيارة.
فجوابه أن يقال مراده بالشموس الكواكب الثوابت التي زعم أنها عدت بمئات الملايين. وزعم الصواف في صفحة ٨٧ أنه يوجد عشرة آلاف مليون نجمة نؤلف حولها أسرا كأسرة الشمس أي: تدور حولها الكواكب. وإذا كان لكل شمس من هذه الشموس المزعومة سماء وأرضون ونجوم سيارات كما تخيلوه بعقولهم الفاسدة فإن السموات تكون عشرة آلاف مليون سماء وتكون الأرضون كذلك أو أكثر وتكون النجوم السيارات أكثر من ذلك بأضعاف مضاعفة.
وهذا هو هذيان المجانين بعينه وهو مردود بنصوص القرآن والسنة وإجماع أهل السنة والحديث على أن السموات سبع فقط وأن الأرضين سبع فقط.
أما نصوص القرآن فقول الله تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ وقول تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ *
[ ٢٣٤ ]
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ وقول تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ وقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقوله تعالى ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ وقول تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾.
ففي هذه الآيات كلها النص على أن السموات سبع ففيها الرد على من زعم أن السموات أكثر من سبع، وفيها أيضا الرد على أهل الهيئة الجديدة الذين ينكرون وجود السموات ويزعمون أن سعة الجو غير متناهية.
وفي الآية من سورة الطلاق دليل على أن الأرضين سبع كالسموات ففيها الرد على من زعم أن الأرضين أكثر من سبع.
وأما نصوص السنة على أن السموات سبع وأن الأرضين سبع فكثيرة جدا. وقد ذكرت طرفا منها في الصواعق الشديدة في المثال الثالث من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فلتراجع هناك ففيها الرد على من زعم أن السموات أكثر من سبع وأن الأراضين أكثر من سبع.
وأما الإجماع فقد ذكر الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي في آخر
[ ٢٣٥ ]
كتابه (الفرق بين الفرق) عن أهل السنة أنهم أجمعوا على أن السموات سبع طباق خلاف قول من زعم من الفلاسفة والمنجمين أنها تسع.
وذكر شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية ﵀ عن أبي بكر الأنباري أنه ذكر إجماع أهل الحديث والسنة على أن الأراضين سبع بعضهن فوق بعض. وفي هذا رد على من زعم أن السموات أكثر من سبع وأن الأراضين أكثر من سبع.
وأما قوله وكما أن الكواكب مرصعة في سمائنا، فإن شمسنا مرصعة في ملايين الآفاق المحيطة بالكرات.
فجوابه أن يقال لم يأت في القرآن ولا في السنة ما يدل على أن الكواكب مرصعة في السماء كالمسامير في الباب بل فيهما ما يدل على أنها تجري كما تجري الشمس والقمر قال الله تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال ابن كثير في الكلام على الآية الأولى ينبه تعالى عباده على آياته العظام ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان والشمس والقمر يدوران والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السموات نورا وضياء ليهتدى بها في الظلمات وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها. والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله. انتهى.
[ ٢٣٦ ]
وقال تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ قال علي ﵁ هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. قال ابن كثير وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم أنها النجوم. قال وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم الخنس أي في حال طلوعها ثم هي جوارٍ في فلكها وفي حال غيبوبتها يقال لها كنس من قول العرب أوى الظبي إلى كناسه إذا تغيب فيه.
وقال ابن منظور في لسان العرب: جرت الشمس وسائر النجوم سارت من المشرق إلى المغرب. قال وقوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ يعني النجوم.
وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: النجوم والشمس والقمر.
وقال تعالى ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ الأفول الغيبوبة.
وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال «إن أهل الجنة ليتراءون في الغرفة كما يتراءون الكوكب الشرقي أو الكوكب الغربي الغارب في الأفق أو الطالع في تفاضل الدرجات» الحديث. وهذا لفظ الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد والترمذي أيضا وابن ماجة عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وأن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» قال الترمذي هذا حديث حسن.
[ ٢٣٧ ]