أقول: لما تدينت الشيعة لشدة تعصبهم وعنادهم لطعن السلف وسب الخلفاء الثلاثة ﵃ لم يبالوا بقدح الأحاديث الصحيحة الواردة في مناقبهم ولا بتحريف الروايات والتصرف فيها من عند أنفسهم حتى أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (١) ما قالوا واعتقدوا أن عثمان ﵁ كتم من القرآن ما نزل في فضائل أهل البيت. وقد ذكرنا سابقا أن منهم طائفة تجوز شهادة الزور لموافقهم على مخالفهم، فإذا كان كذلك ارتفع الأمن من أحاديثهم ورواياتهم ولم يبق تعريج على جرحهم وتضعيفهم وصارت الأحاديث التي يروونها عن أئمة أهل البيت بمترلة التوراة والانجيل حيث حرفهما اليهود والنصارى.
ومناقب الخلفاء الثلاثة موجودة في صحيح البخاري الذي هو اصح كتاب بعد كتاب الله وفي صحيح مسلم وغيرهما. والذي ظنوه ذما وتخيلوه جرحا ليس كما ظنوا، إنما ظنهم ذلك بمترلة وجدان الصفراوي السكر مرا.
وأما الذي ذكروه من إن بعض أهل السنة جوزوا وضع الحديث فإنما يرفع الأمان عن حديثهم إذا لم يرد المحققون من أهل السنة كلام ذلك البعض ولم ينكروا عليهم. والأمر ليس كذلك بل جهابذة أهل الحديث بينوا الأحاديث الموضوعة وأنكروا على واضعها. وحينئذ لا يعود إليهم شيء ولا يلتبس الحق الواضح بالباطل.
وأجابت الشيعة ثالثا بأن مخالفة خبر الواحد ليس بكفر إذ ليس واحد من علمائكم المجتهدين إلا قد خالف بعض أخبار الآحاد.
أقول: لا يخفى أن الأحاديث الواردة في فضائل الخلفاء الثلاثة ﵃ وإن كانت من جهة ألفاظها أحادية لكنها لتعدد طرقها وكثرة رواتها متواترة بالمعنى. ولا شك أن إنكار مدلول مثل هذه الأخبار كفر، ولم يخالف أحد من المجتهدين مثلها. بل الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه الذي هو رئيس أهل السنة يقدم خبر الواحد مطلقا، بل أقوال الصحابة أيضا على القياس.
وأجابت الشيعة رابعا بعد التسليم بأن توقير النبي - ﷺ - وتقديمه الخلفاء الثلاثة كان قبل مخالفتهم ونكثهم البيعة فلا يدل شيء من ذلك على حسن خاتمتهم وسلامة عاقبتهم لأن العقوبة قبل صدور العصيان وإن كان معلوما لا تليق بالنبي - ﷺ -. ولهذا أخبر علي ﵁ بما يفعله ابن الملجم ولم يعاقبه.
أقول: لا يخفى أن الأحاديث الواردة في فضائلهم ناصة على حسن خاتمتهم وسلامة عاقبتهم كالأحاديث التي رويناها سابقا. وكما أن عقوبة العاصي قبل صدور العصيان وإن كان معلوما ليست بمحمودة فكذلك مدح من علم سوء خاتمته والإبرام في ذكر فضائله والتناهي في توقيره وتقديمه غير محمود. ولهذا قلنا إن هذه الأمور دالة على حسن حالهم حالا ومآلا. وعلي ﵁ كما لم يعاقب ابن الملجم على ما يفعله فكذلك لم يمدحه بل بين ما يدل على سوء حاله في المآل.
قال علماء ما وراء النهر ﵏: إن الخلفاء الثلاثة قد شرفهم الله تعالى برضوانه بقوله: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (٢) فيكون سبهم كفرا.
_________________
(١) القيامة: ١٧
(٢) الفتح: ١٨
[ ٩ ]
وأجابت الشيعة بمنع دلالة الآية على تشريفهم بالرضوان لأن مدلولها عند التدقيق رضاء الله تعالى بذلك الفعل الخاص أي البيعة وليس أحد ينكر أنه قد صدر منهم بعض الأفعال المرضية إنما الكلام أنهم صدر منهم بعد ذلك أفعال تكون نقضا لذلك العهد ونكثا لتلك البيعة حيث خالفوا نص النبي - ﷺ - في الخلافة وغصبوها من مستحقها وآذوا فاطمة ﵂. وقد أخرج البخاري عنه ﵊ أنه قال: «من آذاها فقد آذاني» وقال الله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ (١) وتخلفوا عن جيش أسامة. فلأمثال هذه الأفعال استحقو الطعن، إذ سلامة العافية بحسن الخاتمة والوفاء بالعهد والبيعة.
أقول: مدلول الآية عند التحقيق أن رضاء الله تعالى تعلقت بالمؤمنين عند بيعتهم النبي - ﷺ - لا أنها تعلقت بالبيعة. غاية ما في الباب أن التدقيق يقضي إلى علية بيعتهم لرضاء الله تعالى عنهم. نعم كون البيعة مرضية إنما يفهم من كونها علة للرضاء وكون هؤلاء مرضيين لأجلها، فتكون مرضية بالطريق الأولى. أما أن البيعة هي المرضي عنها أصالة مع عدم كون أهلها مرضيين كما زعموا فمما لا يفهم أصلا. ولما التبس عليهم الحق سموا خطأهم تدقيقا. فإذا تمهد هذا فنقول: لما ﵃ وقد علم سرائرهم وبواطنهم وأنزل السكينة والطمأنينة عليهم على ما دل قوله تعالى: ﴿فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم﴾ (٢) وبشرهم النبي - ﷺ - بالجنة، فلا بد أنهم مصونون عن سوء الخاتمة ونقض العهد ونكث البيعة. ولئن سلمنا أن مدلولها رضاء الله بذلك الفعل الخاص فلنا أن نقول لما رضي الله تعالى عن بيعتهم لزم منه أن يكونوا مرضيين وأن تكون عاقبتهم محمودة لأن الله تعالى لا يرضى عن أفعال الكفار قال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء﴾ (٣) وقال: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافرٌ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾ (٤) فالعمل الذي يكون مضمحلا في الآخرة ولا تترتب عليه ثمرة لا معنى لرضاء الله به، إذ الرضاء نهاية القبول والقبول إنما هو باعتبار المآل وإنما العبرة بالخواتيم.
ثم ورود النص من النبي - ﷺ - بأن الخليفة بعده علي ﵁ غير ثابت، بل قام الدليل على نفيه لأنه لو ورد لنقل بالتواتر لأنه مما يتوفر الدواعي إلى نقله كقتل الخطيب على المنبر. وأيضا لو كان نص في هذا الباب لاحتج به علي ولمنع به أبا بكر من الخلافة كما منع أبو بكر الأنصار بقوله - ﷺ -: «الأئمة من قريش» فأذعنوا له ولم يناقشوه.
_________________
(١) الأحزاب: ٥٧
(٢) الفتح: ١٨
(٣) النور: ٣٩
(٤) البقرة: ٢١٧
[ ١٠ ]
قال شارح التجريد: وكيف يزعم من له أدنى مسكة أن أصحاب رسول الله - ﷺ - مع أنهم بذلوا مهجهم وذخائرهم وقتلوا أقاربهم وعشائرهم في نصرة رسول الله - ﷺ - وإقامة شريعته وانقياد أمره واتباع طريقته أنهم خالفوه قبل أن يدفنوه مع وجود هذه النصوص القطعية الظاهرة الدالة على المراد؟ بل ههنا أمارات وروايات ربما يفيد باجتماعها القطع بعدم أمثال تلك النصوص وهي مما لم يثبت ممن يوثق به من المحدثين مع شدة محبتهم لأمير المؤمنين ونقلهم الأحاديث الكثيرة في مناقبه وكمالاته في أمر الدين والدنيا. ولم ينقل في خطبه ورسائله ومفاخراته ومخاصماته وعند تأخره عن البيعة وجعل عمر الخلافة شورى بين ستة نفر ودخل علي في الشورى وقال عباس لعلي: امدد يدك ابايعك حتى يقول الناس هذا عم رسول الله - ﷺ - بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان، فقال: لا تنازع أبا بكر وددت أني سألت رسول الله - ﷺ - عن هذا الأمر فيمن هو وكنا لا ننازعه. وحاج معاوية ببيعة الناس له لا بنص من النبي - ﷺ -. والظاهر أن النهي عن إيذاء فاطمة ﵂ ليس على عمومه حتى يتناول أي إيذاء بأي وجه كان لأنها قد تأذت عن علي ﵄ في بعض الأوقات كما جاء في الأخبار. وأيضا قال النبي لبعض أزواجه: «لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لا يأتيني وأنا في ثوب أمرأة إلا عائشة» فجعل النبي - ﷺ - إيذاء عائشة إيذاء نفسه. ولا شك أنها تأذت من علي ﵁. وحينئذ نقول: الإيذاء المنهي عنه إنما هو الناشئ عن هوى النفس ووسوسة الشيطان، وأما الذي يحصل عن إظهار امر الحق على وفق القرآن والسنة فليس بممنوع ولا منهي عنه. ومعلوم أن سبب تأذي فاطمة من الصديق ﵄ منعه فدك عنها، وكان متمسكا في ذلك بحديث النبي - ﷺ -: «نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث ما تركناه صدقة» ولم يكن لهواه، فلا يكون داخلا في الوعيد. فإن قال قائل: لما كان الصديق ﵁ متمسكا بحديث النبي - ﷺ - فما وجه غضب فاطمة ﵂ وتأذيها إذ يرجع حينئذ الأمر إلى النبي - ﷺ - والعياذ بالله؟ قلنا: هذا الغضب والتأذي لم يكن بالاختيار ولا داخلا تحت القدرة ولا يتعلق النهي بأمثال ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.