فلنَرجع إلى مَا نَحن بصِددِهِ [٤/أ] مِنْ إثباتِ كفر مَنْ سَب الصّحابة عمُومًا أو سَب الشيخَين خصُوصًا، فَلا شك في أنَّ أصول الأدِلةِ ثلاثة هَي: الكِتاب وَالسُنة وَإجمَاع الأمةِ، فأمَّا الكتاب فَهوَ خالٍ عَن هَذا الخطَاب، وكَذَا الإجماع مَفقود في هَذَا الباب، فبَقي الأحَاديث وَهَي آحَاد الإسناد، ظني الدَلالَة في مِقَام الأستِناد، وَلهَذا لم يذكرها الفقهاء كفر الرافضي في كلماتِ (٢) الكفر وَلا في بَابِ الارتدَاد، فإنْ كانَ عِندَ أحدٍ (٣) نقلَ قائلٍ (٤) للاعتِماد، فعَليَه بالبيَان في معرض مِيدَان الاعتِقاد.
وإمَّا ما اشتهرَ عَلى ألسنة العَوَام من أنْ سبَّ الشيخَين كفر، فلم أرَ نقَلهُ صَريحًا ولا روَايته ضعيِفًا وَلا حَسَنًا وَلا صحيحًا، وعلى تقدير ثبُوتِهِ وَتَسليم صِحتِهِ، فَلاَ ينبَغي أن يحمل عَلى ظاهرِهِ؛ لاحِتمالِ مَا تقدمَ مِنْ التأويلاَتِ في كفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ، إذ لو حملَ الأحَادِيث كلهَا على الظَواهِر، لأشكل ضبط القواعِد وَحِفظ النوادر، وَحَيثُ يَدخل مِنهُ الاحتمال لاَ يَصلح الاستدلاَل، لاَ سيما في
_________________
(١) ربما وهمَّ المؤلف فنسب الحديث لمسلم ولم يرد بهذا اللفظ عنده بل ورد عند البخاري، الصحيح، كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة: ١/ ١٥٣، رقم ٣٨٥؛ وأخرجه الترمذي، السنن، كتاب الإيمان، باب أمرت أن أقاتل الناس: ٥/ ٢، رقم ٣٦٠٨؛ أبو داود، السنن، كتاب الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون: ٣/ ٤٤، رقم ٢٦٤١.
(٢) في (م): (وكلمات).
(٣) في (د): (واحد).
(٤) في (د): (قابل بل).
[ ٣٣ ]
قتل المُسلم وَتكفِيره، وَقد قِيل: لو كان تسعَة وتسعَونَ دَليلًا عَلى كفر أحَد، وَدليل وَاحد عَلى إسلاَمه، ينبَغي للِمفتي أنْ يَعمل بذلكَ الدليل الوَاحِد؛ لأن خطأه في خلاَصِه خيرٌ مِنْ خَطئه في حَدّهِ وَقصَاصِهِ.
لا يقال كيف نسبت قول سَبّ الشيخين كفر إلى العَوام، مَع أنهُ مُذكوُر في بَعض كتب الفتَاوى لبَعض الأعلام، فإنِّا نقول: لم أرَ نقله إلاَّ مِنْ المجهُولينَ الذينَ هم في طريق التحقيق غَير مَقبُوليَن، فلاَ يعتبر في بَابِ الاعِتقاد الذي مَدَاره عَلى مَا يَصِح بِهِ الاعتماد.