وَالشعبي (١) لاَ ينعَقد الإجماع مَع مخَالفتِه (٢).
[وَلهذا قَالَ أبو حَنِيفة: لاَ ينعَقد الإجماع مَع مخَالفتِه، وَلهَذا] (٣) قَالَ أبُو حَنيفة: لاَ يَثبت إجماع الصحَابة في الأشَعار (٤)؛ لأن إبراهيم النخعي كَانَ يَكرهُهُ [٢٢/ب] وَهوَ مِمن أدرك عَصر الصحَابة، فَلاَ يثبت الإجمَاع بدُون قوله.
وَإن كَان حَادِثة ليسَ فيها إجماع الصحَابة وَلاَ قول أحَد (٥) مِن الصحَابة، لِكن فيها إجماع [التابعِيِن، فإنه يقضي بإجماعِهم، إلا أن إجماع التابعِين في كوَنِه حُجة دُونَ إجماع الصحَابة، وَكَذلكَ إجماع كل قرَن بَعدَ ذلَك َ] (٦) حُجة، وَلكنُه دُونَ الأول في كونِه حُجة (٧).
وَإن كانَت حَادِثة فيها اختلاف بَيْنَ التابعِينَ، يجتَهد القاضِي في ذلك - إذا كَانَ مِن أهِلِ الاجتهادِ - وَيقضي بما هوَ أقرب مِن الصوَاب وَأشبَه بِالحق، وَليسَ لَهُ أن يخالفهم جَميعًا باختراعِ قولٍ ثالِثٍ عِندَنا، عَلى نَحو مَا ذكرنا في الصحَابة، وَإن جَاءَ عَن بَعضِ التابعِينَ وَلم ينقل عَن غَيرهم، فِيه شيءٌ فعَن أبي حَنِيفة روَايتانِ، في روَاية قال: لا أقلدُهم هُمْ رجَالٌ اجتهَدُوا وَنحنُ رجَالٌ نجتهد، وَهوَ ظَاهِر
_________________
(١) عامر بن شراحيل الشعبي أبو عمرو الكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وفاته سنة ١٠٤هـ. طبقات ابن سعد، ٦/ ٢٤٦؛ تهذيب التهذيب.
(٢) مختصر المؤمل: ص ٦٣. وينظر للفائدة: الجويني، البرهان: ١/ ٤٦٠؛ الآمدي، الإحكام: ١/ ٢٩١.
(٣) سقطت من (د). وقد تكررت عبارة (لا ينعقد الإجماع مع مخالفته) في (م).
(٤) في (د): (الأسعار).
(٥) في (د): (فواحد).
(٦) سقطت من (د).
(٧) ينظر للفائدة: الآمدي، الإحكام: ١/ ٢٩٠؛ الرازي، المحصول: ٤/ ٢٨٧؛ الغزالي، المستصفى: ١/ ١٤٩.
[ ١٢٤ ]
المَذهَبِ (١).
وَفي روَاية (النوادر) (٢) قَالَ: مَن كَانَ منهُم أفتَى في زَمَنِ الصحابَة، وَسَوغوا لَهُ الاجتهاد: كشريح (٣) وَمسرُوق بن الأجدع (٤) وَالحسن فأنا أقلدهم (٥)، فإن لم يَجد (٦) إجمَاع مِن بعدهم، وَكَانَ فيه اتفاقٌ بَيْنَ أصحَابنا: أبي حَنِيفة وَأبي يُوسُف وَمُحمد، يَأخذ بِقَولِهم وَلا يَسعهُ أن يخالِفهُم بِدَايةً؛ لأن الحَق لا يعدوهم (٧)، فإن أبَا (٨) يُوسُف كَانَ صَاحِب حَدِيث، حَتى يروى أنه قَالَ: «أحفظ عِشرينَ ألف حَدِيث مِن المنسُوخ» (٩) فمَا ظنَكَ مِن الناسخ؟ وَكانَ
_________________
(١) السرخسي، المبسوط: ١١/ ٣؛ ابن أمير حاج، التقرير والتحبير: ٢/ ٤١٥.
(٢) هي نوادر الفتاوى لأبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني ثم البغدادي الحنفي، وفاته بعد سنة ٢٠٠هـ. إيضاح المكنون: ٢/ ٦٨١.
(٣) في كلا النسختين (شريح).
(٤) أبو عائشة مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية الوادعي الهمداني الكوفي، الإمام القدوة، عداده في كبار التابعين والذين اسلموا في زمن النبي - ﷺ -، وفاته سنة ٦٣هـ. سير أعلام النبلاء: ٤/ ٦٣؛ تهذيب التهذيب: ٩/ ٤١٦.
(٥) في (د): (نقلدهم).
(٦) في (د): (يجدوا).
(٧) في (د): (يعدهم).
(٨) في (د): (أبي).
(٩) لم أجد هذه الرواية فيما وقع تحت يدي من مصادر، ولكن روي عن الإمام أحمد أنه قال: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف، كان أميل إلى المحدثين من أبي حنيفة ومحمد، وقال يحيى بن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصح رواية من أبي يوسف. سير أعلام النبلاء: ٨/ ٥٣٧.
[ ١٢٥ ]
صَاحِب فِقه وَمعنى (١)، وَمُحمد (٢) كَانَ صَاحِب فِقه [ومقرء] (٣)،
وَكَانَ صَاحِب قريحَة أيضًا؛ وَلهَذَا قَلَّ رجُوعه في المسَائل، وَكَانَ مُقدمًا في اللغَة وَالإعراب، وَلهُ مَعرفة بالحديث أيضًا (٤).
وَأبو حَنِيفة (٥) كَانَ مُقدمًا في هَذا كَله، إلا أنه قلّت روَايته لمذهبِ تفردَ بِهِ في بَابِ الحَدِيث، [وَهوَ أنه إنما يجدُ روَاية الحَدِيث] (٦) لمَن يحفظ مِن حِين يسمع إلَى أن يروي، وإن اختلفوا فيما بينهم، قَالَ عَبد الله بن المبَارك: يأخُذ بِقولِ أبي حَنِيَفة لاَ محالة.
وَالمتأخرون من مشايخنا اختلفوا، بعضهم قَالُوا: إذَا اجتمعَ [٢٣/أ] اثنان مِنهم عَلى شيءٍ، وَفيهمَا أبو حَنِيَفة يَأخُذ بِقولِ أبي حَنِيَفة، وَإن كَانَ أبو حَنِيَفة في جَانِب وَأبو يوسُف وَمُحمد في جَانِب، فإن كَانَ القَاضِي مِن [أهل الاجتهاد يَجتَهد، وَإن لم يكن مِن] (٧) أهِل الاجتهاد وَيستفتي (٨) غَيره، وَيأخُذُ (٩) بِقولِ
_________________
(١) (ومعنى) سقطت من (د).
(٢) في (د): (وأما محمد).
(٣) زيادة من (د) وجاء مكانا فراغا ًفي (م) ..
(٤) لم يعتنِ محمد بن الحسن عناية أبي يوسف في الحديث، وكان أميل إلى الفقه، ومع ذلك فقد قال عن نفسه، كتبت سبع مائة حديث عن مالك، وكان قد صحبه أكثر من ثلاث سنين، وقال إبراهيم الحربي: قلت للإمام أحمد: من أين لك هذه المسائل الدقاق؟ قال: من كتب محمد بن الحسن. سير أعلام النبلاء: ٩/ ١٣٥.
(٥) في (د) زيادة: (وقيل كان أبو حنيفة ).
(٦) ما بين المعقوفتين سقطت (د).
(٧) سقطت من (د).
(٨) في (د): (يستفتي).
(٩) في (د): (ويؤخذ).
[ ١٢٦ ]
المفتي بمنزلة العَامي (١)، وَبَعضهم قَالُوا: [أي] (٢) إذا كَانَ القَاضِي مِن أهِل الاجتهاد يَعملُ بِرأيِهِ وَيأخُذُ بِقولِ الوَاحِد ويترك قولَ المثنى، سوَاءٌ كَانَ في المثنى أبو حنيفة أو لم يكن، وَإن كَانَ أبو حَنِيَفة عَلى رتبة، وَإن لم يَكنْ مِن أهِل الاجتِهاد، يَأخُذُ (٣) بِقولِ أبي حَنِيفة وَلاَ ترك مَذهَبه.