وَفي الخَبرِ الصَحِيح: «إذَا رأيت شحًا مُطاعًا وَهَوى مُتبعًا وَدنيا مُؤثرة، وَأعجابَ كلّ ذي رَأي بَرأيه، وَرَأيت الأمر لا بد لك منهُ، فعَليكَ نفسك وَدَع أمرَ القَوم، فإن ورَائكم أيام الصّبر، فمَن صبر فيهم قبض عَلى الجَمر، للعَالم فيهن مثل أجر خَمسِين رَجُلًا يعملُونَ عَمله» (٥)، وَقالَ ابن المبَارك (٦): وَزادَ في روَايَة:
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقطت من (د).
(٢) هو شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن خناخسره الديلمي الحافظ المحدث، وصاحب كتاب الفردوس، كان حافظًا متقنًا، وفاته سنة ٥٠٩هـ. سير أعلام النبلاء: ١٩/ ٢٩٤؛ طبقات الحفاظ: ص ٤٥٧ ..
(٣) في (د): (بن).
(٤) الفردوس: ١/ ٢٤٦، رقم ٩٥٢. قال الشيخ الألباني (ضعيف). ضعيف الجامع: رقم ٣٤٠.
(٥) الحديث أخرجه الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني، السنن، كتاب التفسير، باب ومن سورة المائدة: ٥/ ٢٥٧، رقم ٣٠٥٨؛ أبو داود، السنن، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي: ٤/ ١٢٣، رقم ٤٣٤١؛ ابن ماجة، السنن، كتاب الفتن، باب قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم: ٢/ ١٣٣٠، رقم ٤٠١٤. قال الشيخ الألباني عن الحديث (ضعيف). ضعيف الجامع: رقم ٢٣٤٤.
(٦) عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير، وفاته سنة ١٨١هـ. التاريخ الكبير، ٥/ ٢١٢؛ تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٧٤.
[ ٩٣ ]
«قيلَ: يَا رَسُول الله أجر خَمسِين مِنهم؟ قَالَ: أجر خَمسِينَ مِنكم» (١).
وَإلى هَذا أشَار وَلي الله الشاطِبي (٢) في قَصِيدَته:
وَهَذَا (٣) زَمَان الصبر مَن لك بالتي كقبض عَلى الجمر (٤) فَتنجوا مِن البلاء
وَزَمَانه كَانَ في قرنِ خمسمائة، وَأمَّا اليَوم فَقد تجاوزَ الألف بضعَة عَشر، فتَدبَر فيما زَادَ مِن الكدَر.
وَلقد أجمعَ السلَف الصّالح عَلى التحذير من أهِل زمَانهم وَمِن قرب مَكانِهم، وَآثروا العزلةَ وَالخلوةَ وَاجتنبُوا الخلطَة وَالحلوة، وَأمرُوا بِذلكَ وَتواصوا به هُنالك، وَلا شك أنهم كانوا أنصَح وَبأمِر الدين أبصر، وَأن الزمَان ليسَ بَعدهم خَيرًا ممَا كَانَ بَل شرًا مِنهُ وَأمَرّ (٥)، وَفي مَعنَاه مَا وَرَدَ في الخبَر المعُتَبر: «لا يَأتي زمَان إلاَّ الذي بَعْدَهُ شرٌّ مِنهُ» رَوُاهُ البخاري (٦).
وَفي (الكبَير) للطَبراني عَن أبي الدرداء مَرفوعًا: «مَا مِن عَام إلاَّ ينقص الخَير
_________________
(١) هذه الزيادة وردت عند الترمذي.
(٢) أبو محمد القاسم بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير، ناظم الشاطبية وغيرها، وشيخ القراء في زمانه، انتقل من الأندلس إلى مصر وفيها وفاته سنة ٥٨٧هـ. وفيات الأعيان: ٤/ ٧١؛ سير أعلام النبلاء: ٢١/ ٢٦١.
(٣) في (د): (وهكذا).
(٤) في (د): (جمر).
(٥) في (د): (وامروا).
(٦) في (د) جاء لفظ الحديث: (لا يأتي على أمتي زمان إلا الذي بعده شر منه). والرواية التي في الأصل هي رواية البخاري عن أنس في صحيحه، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه: ٦/ ٢٥٩١، رقم ٦٦٥٧. ولا أجد الحديث بالزيادة التي في (د).
[ ٩٤ ]
فيه [١٧/أ] ويزيد الشر» (١) وَذلَكَ لأن كَلَّ مَن أبعدَ عَن نور المشعل المحِمدي، وَقعَ في نوع مِن ظلمة الجِهَل الرديء.
ويؤيدهُ مَا أخرجهُ الطبراني عَن ابنِ عَباس: «مَا مِن عَام إلا وَيحدث النَّاس بدعَة وَيميتون سُنة حَتى تمَات السَنن وَتحيى البَدع» (٢).
وأخرج الترمذِي عَن أنَس: «مَا مِن عَام إلا وَالذي بَعدَه شرٌّ مِنهُ حَتى تلقوا رَبكم» (٣).
وَرَوى أحمد وَالبخَاري وَالنسَائي عَن أنَس: «لا يأتي (٤) عَليكم عَام وَلاَ يَوم إلا وَالذِي [بعده شرٌ منه حَتى تلقوا ربَّكم» (٥).
وَعن الثوري (٦): وَالذِي] (٧) لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ، لقَدَ حلت العزلة في هَذا الزمَان» (٨) قَالَ الغزالي (٩): «وَلئنَ حلت في زمَانِهَ فَفي زماننا هذا
_________________
(١) قال العجلوني: «رواه الطبراني بسند جيد». (كشف الخفاء: ٢/ ٢٤٩)، ولم أجده في المطبوع، وربما هو في المفقود من المعجم الكبير.
(٢) المروزي، السنة: ص ٣٢؛ كشف الخفاء: ٢/ ١٦٢.
(٣) السنن، كتاب الفتن: رقم ٢٢٠٦.
(٤) في (د): (ليأتي).
(٥) الصحيح، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه: ٦/ ٢٥٩١، رقم ٦٦٥٧؛ مسند الإمام أحمد: ٣/ ١٣٢، رقم ١٢٣٦٩. ولم أجده في سنن النسائي الصغرى أو الكبرى.
(٦) أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، شيخ الإسلام وسيد الحفاظ وأحد الأئمة، وفاته سنة ١٦١هـ. تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٠٣؛ طبقات الحفاظ: ص ٩٦.
(٧) ما بين المعقوفتين زيادة من (د).
(٨) حلية الأولياء: ٦/ ٣٨٨.
(٩) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، حجة الإسلام، من مشاهير الفقهاء العارفين بعلم الكلام، وكان يقظًا ذكيًا واسع التصانيف، وفاته سنة ٥٠٥هـ. وفيات الأعيان: ٤/ ٢١٦؛ سير أعلام النبلاء: ١٩/ ٣٣٢.
[ ٩٥ ]
وجبت» (١).
وَكتبَ رجلٌ عَلى دَاره - لِيضع (٢) نظر اعتبار عَلى آثارِه -: «جزا الله مَنْ لا يعرفنَا خيرًا كافة، وَلاَ جزى بذلك أصدقائنا خاصة، فَمَا أوذينا قط إلاَّ مِنهم، وَمَا صَدَر في صَدرنا مِن الهمِّ إلاَّ عَنهُم، فالبُعد عَنهم هُوَ السّعد».
ولله در القائل [حيث قال] (٣):
جَزَى الله عَنا الخير مَن ليسَ بَيْنَنا وَبَينَهُ ودٌّ ولاَ (٤) نتعَارفُ (٥)
فما أصَابنا (٦) همٌ وَلا نالنا الأذى (٧) مِنْ النَّاس إلاَّ مَن نود ونعرفُ (٨)
وَقَالَ الفضيل (٩): «هَذَا زمَان احفظ فيه لسَانَك، وأخفِ مَكانك، وَعالج
_________________
(١) إحياء علوم الدين: ٥/ ١٢١.
(٢) في (د): (ليقطع).
(٣) زيادة من (د).
(٤) في (م): (لا).
(٥) في (د): (تعارف).
(٦) في (م): (صابنا).
(٧) في (د): (ولا لنا الذي).
(٨) البيتان وردا عند أبي حيان التوحيدي (الصداقة والصديق: ص ٤٣) قال: «بعض السلف: إياك وكثره الإخوان، فإنه لا يؤذيك إلا من تعرف وأنشد: جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ولا بينه ود ولا نتعارف فما سامنا ضيمًا ولا شفنا أذى من الناس إلا من نود ونألف».
(٩) أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي المروزي، شيخ الحرم والإمام القدوة، أشتهر بزهده مع ثقته في الحديث، وفاته سنة ١٨١هـ. تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٤٥؛ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٤٢١.
[ ٩٦ ]
جفانَك، وخذ مَا تعرف وَدَع مَا تنكر لتصلح شأنكَ» (١).
وَقالَ الثوري: «هَذَا زمان السّكُوت، وَلزُوم (٢) البيُوت، والرّضا بالقوت إلى أن تَمُوت» (٣).
قلت: وَكَذَا صَحَ: «مَن صَمت نجا» (٤).
لِكن ورَدَ في صَحيح الأخبَار: «مَن علم بعلمه مَن كتم عِلمًا حكمة ألجّمه الله بلجَام مِن نار» (٥)، وَلعَلهُ مقتبس من قولِه تعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (٦) [آل عمران: ١٨٧].
_________________
(١) حلية الأولياء: ٨/ ٩٤؛ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٤٣٦.
(٢) في (د): (ولزم).
(٣) ابن عبد البر، التمهيد: ١٧/ ٤٤٣.
(٤) الحديث أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، السنن، كتاب صفة القيامة: ٤/ ٦٦٠، رقم ٢٥٠١؛ الدارمي، السنن، كتاب الرقائق، باب الصمت: ٢/ ٣٨٧، رقم ٢٧١٣؛ الإمام أحمد، المسند: ٢/ ١٥٩، رقم ٦٤٨١. قال الشيخ الألباني عن الحديث (صحيح). صحيح الجامع: رقم ٦٣٦٧.
(٥) كذا ورد الحديث في كلا النسختين، وعباراته غير مستقيمة. والحديث كما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم علمه ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». السنن، كتاب العلم، باب في كتمان العلم: ٥/ ٢٩، رقم ٢٦٤٩؛ وأخرجه أيضًا أبو داود، السنن، كتاب العلم، باب كراهية منع العلم: ٣/ ٣٢١، رقم ٣٦٥٨؛ ابن ماجة، السنن، كتاب المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه: ١/ ٩٨، رقم ٢٦٦.
(٦) في (د) جاءت الآية ناقصة.
[ ٩٧ ]
فقد ظهَر قَوم غَلبَ عَليهم الجَهل وَطمهُم (١) وَأعماهم (٢) حُب الرئَاسة وأصَمهُم، وَتحرك عرق الحسَد فِيهم وَعِمهُم، قد لكنوا (٣) عَن عِلم الشِريعَة مِنَ الكتاب وَالسّنة وَنسوه، وَاكبوا عَلى عِلم الفلاسِفة وَدرسُوهُ، يريد [١٧/ب] الإنسَان مِنهم أنْ يتقَدمَ، وَيأبى الله إلا أن يزيدهُ تأخِير، ويبتغي أحَدُهم العِزة وَلاَ عَلم عندَه، فلا يجد لَهُ وليًا وَلاَ نَصِيرًا، وَمَع ذَلكَ فلاَ ترى هُنالكَ إلا أنوفًا مُسمَّرة، وَقلوبًا عَن الخلقِ مُستكبَرة، وَأقوالًا تصدُر عَنهم مُفتراة مزورَة، كَلمَا هَديتهم إلى الحَق كان أصَم وَأعمَى لهم، كأن الله لم يُوكل بِهم حَافظين يَطلبونَ أقوالهم وَأعمالَهم، فالعَالم بينهم مَحزُون يتلاعب به الجَهال وَالصبيَان، وَالعَاقِل عِندَهم مَجنُون دَاخِل في ميدَان النقصَان، وَاللهُ المُستعان وَإليه المشتكى وَعَليه التكلان.