فإذا كَانَ لاَ يَجُوز [تَقلِيد الإمَام مِن غَير دليلٍ في الأحَكامِ، فَكَيف يَجُوز] (٧) تَقلِيد المقلدينَ الذينَ مَا وَصَلُوا إلى مَقام المجتَهدين؟ نَعَم يَجُوز لِلعَامي أن يقلد العَالم - وَلو مُقلد الضرورَة - أمر الدين، وَالمرادُ بِالعَالم هُوَ العَالم بِأقوالِ
_________________
(١) زيادة من (د).
(٢) (أصول البزدوي): طبع في الاستانة سنة ١٣٠٧هـ بهامش كشف الأسرار. معجم المطبوعات العربية: ١/ ٥٣٨.
(٣) سقطت من (د).
(٤) في كلا النسختين جاءت العبارة: (ولا يحل له لأحد أن يفتي فيما ). وهي لا تستقيم بهذا المعنى.
(٥) لسان الحكام: ص ٢١٨.
(٦) المصدر نفسه: ص ٢١٨.
(٧) سقطت من (د).
[ ١١٥ ]
الفقهاء، لا النَحوي والصّرفي (١) وَالمنطِقي وَغيرهم مِمن يَزعمُ أنه مِن الفُضَلاء، ثُمَّ العَامي إذا استثنى في الحَادِثة، وَوقعَ في الاختِلاَف فيما بَيْنَ الفقهاء، يَأخذ بِقول مَن هوَ أفقه وَأورَع مِن العُلمَاءِ (٢) عَلى مَا في (المحيط) (٣).
وَفي (شرح المجمع المختار) (٤): أن الفاسِق لاَ يَصلح أن يَكُونَ مُفتيًا - يَعني وَلو كَانَ عَالمًا - لأنه رُبما يكذب في مَقالهِ، وَرُبما يُرَاعي صَاحِبه في حَالهِ، وَرُبما ينقل روَاية في مَقامِ انتِقالِهِ، وَمِن المعلُومِ أن الفاسِق لا تصِح لَهُ الروَاية، فكذا مقامهُ في باب الدّرَاية، وَاللهُ وَلي الهدَاية في البدَاية وَالنهايَة؛ وَلأن مَبنَى الفَتوى عَلى الأمَانة والاحترَاز عَن (٥) الخيَانة، فإن بهمَا (٦) يتم أمر الدّيانة، وَقيلَ يصلح للنَّاسِ أن يكُون مُفتِيًا لا يَحتَاط فِيه للِسمعة وَالرّياء كيَلا ينسب إلى الخطأ (٧).
[ثُمَّ الاجتهاد لغة هُو بَذل المجهود لِنيلِ المقصُود] (٨)، وَأمَّا أهليته: فأهل الاجتهاد مَن يكون عَالمًا بِالكِتابِ وَالسّنة وَالآثار وَوجُوه الفِقه، كذَا في
_________________
(١) في (د): (والصوفي).
(٢) ينظر تفاصيل هذه المسألة عند الغزالي، المستصفى: ١/ ٣٥١؛ إعلام الموقعين: ١/ ٤٦.
(٣) (المحيط البرهاني في الفقه) لمحمود البخاري (صاحب الذخيرة). معجم المؤلفين: ١٢/ ١٤٦. وقد حقق الكتاب على يد مجموعة من طلبة الدراسات العليا في كلية العلوم الإسلامية ببغداد.
(٤) هو لابن فرشته، وقد تقدم التعريف به.
(٥) في (م): (والإصرار على).
(٦) في (د): (بها).
(٧) حاشية ابن عابدين: ٥/ ٣٥٩؛ وينظر للفائدة: الجويني، البرهان: ١/ ٤٤١.
(٨) سقطت من (د).
[ ١١٦ ]
(المحيط) (١) [٢١/أ].
وَفي (الظِهيرية): أن شرط صَيرورَة المَرء مُجتَهدًا، إن لم يعلم مِن الكتاب والسّنة مقَدار مَا يتعَلق بِهِ الأحكام دُونَ مَا يتعلق بِهِ المَواعِظ وَالقصَص (٢).
وَفي (الهداية): وَحاصله أن يَكُونَ صَاحب حدِيث لَهُ مَعرفة بالفِقهِ ليعرف مَعاني الآثار، أو صَاحِب فِقه لَهُ مَعرفة بِالحَدِيث كيلاَ يشتَغل بالقِيَاس في النصُوص عَليَه (٣)، انتهى.
وَمعنَى قَوله: «صَاحب حدِيث لَهُ مَعرفة بالفِقهِ» أي مَنسوب إلى الحَدِيث لِزيادَة عِلمه وَدرسه فيه، وَلكن لَهُ فقه أيضًا وَليسَ هُو بِقدر علمه في الحَدِيث، أو «صَاحِب فقه له مَعرفة بِهِ» أي مَنسُوب إلى
الفِقهِ، وَلكن لَهُ عِلم بالحَدِيثِ أيَضًا وَليسَ هُو بِقدر عِلمه بالفِقه (٤)، كذاَ ذَكرَه ابن الضياء (٥).
ومجُمله أنه لاَ يكُون فقيهًا مُجردًا يحفظ الروَاية، وَلاَ مُحدثًا خَاليًا عَن الفِقه وَالدرَاية، بَل يَكُون جَامِعًا بينَهما في بابِ الهدَايَة، قيل: وَأن يكُون صَاحِب قريحة يعرف بها عَادَات النَّاس؛ لأن من الأحكام مَا يبتني عَليهَا في مقام القِيَاسِ (٦).
_________________
(١) ينظر: السبكي، الإبهاج: ٣/ ٢٤٦؛ المناوي، التعاريف: ص ٣٥.
(٢) ينظر شروط الاجتهاد عند ابن بدران، المدخل: ص ٣٦٧؛ السمعاني، قواطع الأدلة: ٢/ ٣٠٢.
(٣) الهداية: ٣/ ١٠١.
(٤) السرخسي، المبسوط: ١٦/ ١٠٩؛ شرح فتح القدير: ٧/ ٢٥٩.
(٥) أبو البقاء محمد بن أحمد بن الضياء محمد القرشي المكي الحنفي القاضي، له شرح على مجمع البحرين، ولادته ووفاته بمكة سنة ٨٥٤. الضوء اللامع: ٧/ ٨٤؛ البدر الطالع: ٢/ ١٢٠.
(٦) الهداية: ٣/ ١٠١؛ البحر الرائق: ٦/ ٢٨٨.
[ ١١٧ ]
وَفي (شرحِ (١) الأتقاني (٢»: وَإذا بَلغ الرجُل أن يكُون عَالمًا بالمنصُوص (٣) مِن الكتابِ وَالسنة، مِما يتعَلق بِهِ الأحكَام الشرعية يَصِير مجتهدًا، وَيَجبُ عَليه العَمل بِاجتهادِهِ، وَيحرم (٤) عَلَيه تقليد غَيره (٥)، كَذا في (المِيزان) (٦).
وفي (أصول (٧) البزدوي): الصحيح أن أهل الاجتهاد في مَسائل الفِقه، [مَن يكون عالمًا بدلائل الفقه] (٨) وهي الكِتابِ وَالسنَة وَالإجِماع وَالقِياس (٩).
وَفي (فصول (١٠» الاسروشني (١١) قَالَ بَعضهُم: إذا كَانَ صَوابه أكثر من
_________________
(١) هو شرح على الهداية اسمه: (غاية البيان ونادرة الاقران في آخر الزمان). كشف الظنون: ٢/ ٢٠٢٣؛ معجم المؤلفين: ٣/ ٤.
(٢) هو أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي الفارابي الحنفي، قوام الدين كانت له معرفة بالفقه والحديث واللغة، وفاته سنة ٧٥٨هـ. الدرر الكامنة: ١/ ٤١٤؛ شذرات الذهب: ٦/ ١٨٥.
(٣) في (د): (النصوص).
(٤) في (د): (فيحرم).
(٥) ينظر للفائدة: السبكي، الإبهاج: ٣/ ٢٧٠؛ الغزالي، المنخول: ص ٤٥٥.
(٦) في فروع الحنفية، ذكره صاحب كشف الظنون ولم يشر إلى مؤلفه: ٢/ ١٩١٨.
(٧) (أصول) سقطت من (د).
(٨) زيادة من (د).
(٩) ينظر: الرازي، المحصول: ٤/ ٢٨٢.
(١٠) في (د): (أصول). فصول الاسروشني في فروع الحنفية في المعاملات فقط. كشف الظنون:٢/ ١٢٦٦.
(١١) هو أبو الفتح مجد الدين محمد بن محمود بن حسين الحنفي، نسبته إلى (أسروشنة) شرقي سمرقند وفاته سنة ٦٣٢هـ. كشف الظنون: ٢/ ١٢٦٦.
[ ١١٨ ]
خطئه [حلَّ] (١) لَهُ الاجتهاد (٢).
وَفي (النهايَة): وَأمَّا حُكم الاجِتهاد فالإصَابة بِغَالِبِ الرأي، حَتى قلنَا إن المجتهَد يخطئ ويُصِيب ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] (٣).
وَقدَ ورَدَ: «أن المجتَهد إذَا أصَابَ فلَهُ أجرَانِ، وَإن أخطأ فلَهُ أجر وَاحِد» (٤).