والحاصل: أنه ليس (١) بمنقولٍ عَن أحدٍ مِنْ أئمتنا المتقدمين كأبي حَنِيفة وأصحابه، وَأمَّا غَيرهم فَهم رجَال وَنحنُ رجَال، فلاَ نُقلد قَولهم مِنْ غَير دَليل عقلي وَنقلي، يؤتى به مِنْ طَرِيق ظنّي أو قطعي، مَع أنهُ مُخالف للأدلة القطعية والظنية المأخوذة مِنْ الكتاب وَالسنة المروية [٤/ب] التي تفيد في العَقائد الدينية أو تفيد (٢) في القَواعدِ الفقهية، فإن ما وَردَ فيها إمَّا ضَعِيف في سندِهِ أو مُؤول في مسَتندِهِ، لئلا يعَارض القَواعِد الشرعية، فإن القولَ بالتكفير مُعارض لمَّا نص عليه أبُو حَنِيفة في (الفِقه الأكبَر)، مُوافقٌ لمَّا عَليه جَمع المتكلِميَن مِنْ أهل القبِلة لا يكفر، وعليه الأئمة الثلاثة مِنْ مَالِك وَالشافِعي وَأحمد، وَسَائر أهل العِلم المعتَمد في المعتقد.
_________________
(١) (أنه ليس) سقطت من (د).
(٢) في (د): (تعتبر).
[ ٣٤ ]
وَقد صرحَ العلامة (١) التفتازَاني (٢) في (شرح العَقائد) (٣) بأن سَب الصَحابة بدعَة وفسق (٤)، وكذا
صَرح أبُو الشكور السالمي (٥) في (تمهيده) (٦): أنَّ سَبَّ الصَّحابة ليسَ بكفر، وَقد وَردَ عَنهُ - ﷺ -: «أن مَنْ سَب الأنبيَاء قتل، ومَنْ سَب أصحَابي جلد» رَواهُ الطبَراني عن علي كرمَ الله وَجهَهُ (٧)، رَواه أيضًا عَن ابن عَباس: «مَنْ سَبّ أصحَابي فعَلَيه لعَنةُ اللهِ وَالملائكة وَالنَّاسِ أجَمعِينَ» (٨).
_________________
(١) في الأصل (علامة) ولا تصح، وقد سقطت هذه الكلمة من (د).
(٢) هو سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، من أئمة العربية والفقه والمنطق والبيان، له مؤلفات عديدة، وفاته سنة ٧٩٣هـ. الدرر الكامنة: ٦/ ١١٢؛ شذرات الذهب: ٦/ ٣٩١.
(٣) المسماة (شرح العقائد النسفية). هدية العارفين: ٢/ ٤٣٠.
(٤) كذا ذكر المؤلف، وهذه المسألة خلافية بين الفقهاء، قال القاضي أبو يعلى: «الذي عليه الفقهاء في سبِّ الصحابة، إن كان مستحلًا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلًا فسق، ولم يكفر سواء كفرّهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم، وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة». الصارم المسلول: ٣/ ١٠٦١.
(٥) هو أبو شكور محمد بن عبد السيد بن شعيب الكشي السالمي الحنفي. كشف الظنون: ١/ ٤٨٤.
(٦) هو (التمهيد في بيان التوحيد)، قال حاجي خليفة: «وهو مختصر في أصول المعرفة والتوحيد». كشف الظنون: ١/ ٤٨٤.
(٧) المعجم الصغير: ١/ ٣٩٣؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: ٣٨/ ١٠٣. قال الهيثمي: «وفيه عبيد الله بن محمد العمري، رماه النسائي بالكذب». (مجمع الزوائد: ٦/ ٢٦٠، والحديث (موضوع) كما حكم عليه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع: رقم ٥٦١٦.
(٨) المعجم الكبير: ١٢/ ١٤٢، رقم ١٢٧٠٩؛ الخلال، السنة: ٣/ ٥١٥؛ ابن عدي، الكامل: ٥/ ٢١٢؛ الجرجاني، تاريخ جرجان: ص ٢٧٤. قال الشيخ الألباني (حديث حسن). الجامع الصحيح: رقم ٦٢٨٥.
[ ٣٥ ]
ثم لا وَجه لتخصِيص الشيخَين فيما ذكر، فإن حكم الحسَنين كذلك، بَل سائر الصحَابة هنالك، كما يُستفَاد مِنْ (١) عُموم الأحَاديثِ وَخُصوصها، فَقد ورَدَ عَنه عَلَيه الصَّلاة وَالسَّلاَم: «مَنْ سَبّ عَليًَّا فَقَد سَبني، وَمَنْ سَبني فَقَد سَبَّ الله» رَواهُ أحَمد وَالحاكم عَن أمِّ سَلَمة (٢).
بَل وَقد بالغَ ﷺ وَقال: «مَنْ سَب العَرب فأولئكَ هُم المشركونَ» روَاهُ البيهَقي عَن عُمر - ﵁ - (٣).
إلا أنه يَجبُ حَمله على أنه أراد باللام الاستغراق، أو الجنس الشامِل للنبي الصَّلاة وَالسَّلام بالاتفاق، فَهذا تحقيق هذِهِ المَسألةَ المشكلة عَلى مَا ذكرَ في (الموَاقف) (٤).
_________________
(١) في (د): (عن).
(٢) مسند الإمام أحمد: ٦/ ٣٢٣، رقم ٢٦٧٩١؛ المستدرك: ٣/ ١٣٠، رقم ٤٦١٥؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: ٤٢/ ٢٦٦. والحديث في إسناده أبو عبد الله الجدلي واسمه: عبد بن عبد، وثقه ابن حبان (تهذيب التهذيب: ١٢/ ١٦٥)، ورماه ابن سعد بالتشيع حيث قال: «يستضعف في حديثه، وكان شديد التشيع». (الطبقات: ٦/ ٢٢٨). ولهذا السبب قال الشيخ الألباني عن الحديث (ضعيف)، كما في ضعيف الجامع: رقم ٥٦٨١.
(٣) الحديث أخرجه ابن عدي، الكامل: ٦/ ٣٧٩؛ العقيلي، الضعفاء: ٤/ ٢١٧؛ البيهقي، شعب الإيمان: ٢/ ٢٣١؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ١٠/ ٢٩٤. والحديث (موضوع) كما ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة مطرف بن معقل (لسان الميزان: ٦/ ٤٨). وهو الحكم نفسه الذي أطلقه الألباني على الحديث. ضعيف الجامع: ٥٦١٧.
(٤) كتاب (المواقف في علم الكلام) تصنيف عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الأيجي القاضي (ت ٧٥٦هـ). حيث يشير القاري إلى قول الإيجي في آخر كتابه: «ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة، إلا بما فيه نفي للصانع والأفضلية القادر العليم أو شرك أو إنكار للنبوة، أو ما علم مجيئه ضرورة، أو لمجمع عليه كاستحلال المحرمات، وأما ما عداه فالقائل به مبتدع غير كافر». الموقف: ص ٧١٧.
[ ٣٦ ]
وأمَّا مَا في كتب (١) العَقائد، فمَنْ اعتقد غَير هذاَ فليَحذر (٢) عقيَدته، وَليَتب عَن تعَصّبه وَحمَاقتِهِ، وَيترك حمية جاهليته، وإلاَّ فيلهث (٣) غِيَظًا على حقدِهِ وحسَدِهِ وَطغيتهِ، وَيُدفن في تربة خباثته وَنجاسُته ظنيته إلى أن يتَبينَ بُطلان مَظنته في سَاعَة قيامتهِ [٥/أ] ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، فَيظهر ضمائر وَيتمَيز الكفر مِنْ الإسلام وَالكبائر مِنْ الصغَائر.
ثم [مَنْ] (٤) ادعى بطلان هَذا البيان، فعَليَه أن يظهر في ميدان البَرهان، إمَّا بتقرير اللسَان هو، وَإمَّا بتحرير البَيان والله المستعان، وَالحِق يَعلو ولا يعلى إلا (٥) البطلان، وَقد ثبت عنه ﵊: «أن الله يَبِعَث لِهَذِهِ الأمة على رأس مائة سَنة مَنْ يجدد لها دِينها» وَرَوَاه أبو دَاود وَالحاكم وَالبيهَقي في (المَعرفة) عَن أبي هريرة (٦).
فوالله العَظيم، وربَّ النبي الكَريم، أني لَو عَرفت أحَدًا أعلم مِنّي بالكِتَاب وَالسّنة، مِنْ جهة مَبناها أو مِنْ طريق مَعناها (٧)، لَقصَدت إلَيه ولو حبوًا بالوقوف
_________________
(١) في (د) وردت العبارة: (وفي كتب العقائد).
(٢) في (د): (فليجدد).
(٣) في (د): (فليمت).
(٤) زيادة من: (د).
(٥) كذا في النسختين.
(٦) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة: ٤/ ١٠٩، رقم ٤٢٩١؛ المستدرك: ٤/ ٥٦٧، رقم ٨٥٩٢؛ الطبراني، المعجم الأوسط: ٦/ ٣٢٤؛ تاريخ بغداد: ٢/ ٦١؛ الداني، السنن الواردة في الفتن: ٣/ ٧٤٣. الحديث صححه الحاكم، قال العجلوني: ورجاله ثقات: (كشف الخفاء: ١/ ٢٨٢). قال الشيخ الألباني: (صحيح). صحيح الجامع: رقم ١٨٧٤.
(٧) في (د): (معناهما).
[ ٣٧ ]
لَدَيه، وهذا لا أقوله (١) فَخرًا، بَل تَحدّثًا بنعِمةِ الله وَشكرًا، وَاستزيد مِنْ ربي مَا يَكون لي ذِخرًا.