ثم أريد أن أزيد التوضيح وَالبيَان، بإيَراد مَا بلغني مِن الروَاياتِ في هَذَا الشأن، ففي متون المذهب مِن الكتب المُهذب: «أنه لا يقبل شهادَة مُظهر سَبّ السلف الصّالح، قال الحدادي (٤) (شَاِرح القدُوري (٥»: لظهُور فسقِهِ، وَالمراد بالسَّلَف
_________________
(١) في (د): (ولحمهم).
(٢) في (د): (وأعمالهم).
(٣) كذا في (م)، وفي (د): (اكبوا).وربما هي (ركنوا).
(٤) أبو الفضل محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن مهران الحدادي المروزي الحنفي، كان فقيهًا فاضلًا ولي قضاء بخارى وغيرها، وفاته سنة ٣٨٨هـ. سير أعلام النبلاء: ١٦/ ٤٧٠؛ الجواهر المضيئة: ص ٥٠.
(٥) أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر البغدادي القدوري، شيخ الحنفية في وقته، قال الخطيب وكان صدوقًا حسن العبارة، له مختصر مشهور في فقه الحنفية حمل اسمه، وفاته سنة ٤٢٧هـ. سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٥٧٥؛ الجواهر المضيئة: ص ٩٣.
[ ٩٨ ]
الصّحابَة والتابعُونَ» (١) انتهى.
وَهذا تصريح بِعَدَم تكفِيره (٢)، كَمَا لاَ يخفَى أفادته في فَصل مَن لاَ تقبل شهادَته لِفسقِهِ، وَتكلمُوا فِي الفِسق الذِي يمنَع الشهادَة، وَاتفقوا عَلى أن الإعلان بكبيرة تَمنَع الشهادة، ثُمَّ قَالَ: وَمَن كَانَ يشتم أولاده وَأهله وَجيرانه، ذكر في بَعضِ الروَايُاتِ أنه لا يقبَل (٣) شهادَته، وَقيل: مَن اعتادَ بَطلت عَدَالته، وَإن فعِلَ ذلَكَ أحيانًا لم تَبطل، قال: أبو الليث (٤): إن لم يكن قذفًا لاَ تبطل عَدَالَته (٥).
ثُمَّ قالَ قاضِي خان (٦): لاَ تقبَل شهادَة مَن أظهر شتم أصحَاب رَسُول الله
_________________
(١) الهداية: ٣/ ١٢٣؛ البحر الرائق: ٧/ ٩٢. وقال الحنابلة أيضًا برد شهادة من سب الصحابة كما في المغني: ١٠/ ١٦٨؛ وهو رأي المالكية أيضًا كما في الفواكه الدواني: ٢/ ٢٢٦؛ واختلف الشافعية في ذلك فمنهم من قبلها ومنهم من لم يقبلها كما في الروضة: ١١/ ٢٤٠.
(٢) هذا على رأي الحنفية كما في حاشية ابن عابدين: ٧/ ١٦٢؛ واختلف العلماء في تكفير من سب الصحابة على تفصيل كما عند ابن مفلح، المبدع: ١٠/ ٢٢٣؛ ابن تيمية، مجموع الفتاوى: ٣٥/ ١٩٨؛ الخطيب الشربيني، مغني المحتاج: ٤/ ٤٣٦؛ الدسوقي، حاشية الدسوقي: ٢/ ٣٦٩. وخير من فصل في هذه المسألة الآلوسي الكبير في نهج السلامة (بتحقيقنا): ص ٩٢ وما بعدها.
(٣) في (د): (تقبل).
(٤) أحمد بن عمر بن محمد بن إسماعيل السمرقندي الحنفي، كان مقدمًا له شرح على الجامع الصغير، وفاته سنة ٥٥٢هـ. الجواهر المضيئة: ص ٨٦.
(٥) البحر الرائق: ٧/ ٨٧؛ حاشية ابن عابدين: ٧/ ١١٤.
(٦) في المصادر التي اطلعت عليها (قاضيخان) فخر الدين حسن بن منصور الفرغاني الحنفي، وفاته سنة ٥٩٢هـ. كشف الظنون: ٢/ ١٢٢٧؛ هدية العارفين: ١/ ٢٨٠.
[ ٩٩ ]
صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَن أبي يُوسُف (١): إن كانَ تبرأ مِنهم لاَ تبطل عَدَالَته، وإن شتمهُم بطلت
عَدالَته (٢)، فَهَذِهِ الروَاية عَن أبي يُوسُف صَريحة في بطلان عَدالَته، دُونَ كفره وَضَلالته (٣).
ثم قالَ قاضِي خَان: وَشهادَة أهل الأهَواء جائزة إلا الخَطابية (٤)، وَيروى ذلكَ عَن أبي حَنِيفة وأبي يوسف (٥)، فَهذِهِ الروَاية عَن الإمَامَين صَريحة [١٨/أ] في قبول شهادَة الرافضِي، وَهوَ لاَ يُنَاقضُ مَا سَبق مِن أن مَن أظهرَ سَبَّ الصحِابَة لاَ تقبل شهادَته؛ لأنه مُقِيد بِالإظهار والإعلان، وَهُوَ قيدٌ مُعَتبر في هَذا
_________________
(١) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش بن سعد الأنصاري الكوفي، قاضي القضاة، قال عنه الذهبي: الإمام المجتهد، العلامة المحدث، وفاته سنة ١٨٢هـ. تاريخ بغداد: ١٤/ ٢٤٢؛ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٥٣٥.
(٢) وردت هذه الرواية عن أبي يوسف في الدر المختار: ٥/ ٤٨٨.
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد صرح الشافعي في كتبه بقبول شهادة أهل البدع والصلاة خلفهم، وكذلك قال مالك وأحمد والشافعي في القدري إن جحد علم الله كفر وسئل أحمد عن القدري فقال: إن جحد العلم كفر». ينظر مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٤٩. وينظر أيضًا للفائدة: روضة الطالبين: ١/ ٣٥٥؛ المغني: ١٠/ ١٦٨.
(٤) الخطابية من فرق الشيعة وهم أصحاب أبي الخطاب الأسدي، زعموا أن الأئمة أنبياء وأن أبا الخطاب كان نبيًا، وأن الأنبياء فرضوا على الناس طاعته. الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٢/ ٣٣؛ الملل والنحل: ١/ ١٧٩، منهاج السنة النبوية: ٢/ ٥٠٢.
(٥) البحر الرائق: ٧/ ٩٣؛ حاشية ابن عابدين: ٧/ ١٠٧.وهذا القول مشهور عن الشافعي (روضة الطالبين: ١/ ٣٥٥). ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: «ما تعجبي شهادة الجهمية والرافضة والقدرية المعلنة». المغني: ١٠/ ١٦٨.
[ ١٠٠ ]
الشأن (١)، فإنهم قالوا لا تقبل شهادَة مُدمن الخمر وَلاَ بد مِن السَّكر (٢).
قَالَ قاضِي خَان: وَإنما شرط الإدمان (٣) ليظهر ذلَكَ عَندَ النَّاسِ، فإن مَن اتهم بِشربِ الخمر تبطل العدالة (٤)، وَقالَ محمد: «مَا لم يظهر ذلكَ يكُون مستور الحال» (٥).
وَفي (خزانة المفتينَ) (٦): وَلا يقبل شهادَة مَن يظهر سَبّ السَلف (٧) [بخلاف من يكتمه.
_________________
(١) ونجد هنا كلامًا نفيسًا لابن قدامة يقول فيه: «الفسوق نوعان: أحدهما من حيث الأفعال، فلا نعلم خلافا في رد شهادته، والثاني من جهة الاعتقاد، وهو اعتقاد البدعة فيوجب رد الشهادة أيضا، وبه قال مالك وشريك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وقال شريك: أربعة لا تجوز شهادتهم رافضي يزعم أن له إماما مفترضة طاعته، وخارجي يزعم أن الدنيا دار حرب، وقدري يزعم أن المشيئة إليه». المغني: ١٠/ ١٦٨.
(٢) هذا هو المشهور من رأي الحنفية كما في البحر الرائق: ٧/ ٨٧؛ المسبوط: ١٦/ ١٣١.
(٣) في (م): (الأديان).
(٤) في (د): (عدالته).
(٥) حاشية ابن عابدين: ٧/ ١٥٠. قال الشافعية: «ومن شربها عامدا عالما بحالها حد وردت شهادته سواء شرب قدرا يسكره أم لا». (روضة الطالبين: ١١/ ٢٣١) وهو رأي الحنابلة أيضًا كما في كشف القناع: ٦/ ٤٢٠. قال ابن عبد البر المالكي: «ومن جلس مجلسًا واحدًا مع أهل الخمر في مجلسهم سقطت شهادته وإن لم يشربها». الكافي: ص ٤٦٤.
(٦) كتاب في فروع الحنفية، تصنيف: حسين بن محمد السمنقاني الحنفي وفاته سنة ٧٤٦هـ، فرغ من تأليفه سنة ٧٤٠هـ. كشف الظنون: ١/ ٧٠٣.
(٧) في (د): (السب للسلف).
[ ١٠١ ]
وفي (الإصلاح والإيضاح) (١): تقبل شهادة أهل الأهواء (٢)، وقال الشافعي: لا تقبل لأنه أغلظ وجوه الفسق - ولنا أنه فسق من حيث الاعتقاد - ثم قال: إلا الخطابية وهم قوم من غلاة الروافض، يعتقدون الشهادة لكل من حلف عندهم، ويقولون المسلم لا يحلف كاذبًا سواء كان صادقًا أو كاذبًا، وقيل يجوزون الشهادة لشيعتهم واجبة، ثم قال: أو يتول أو يأكل فيه أو يظهر سب السلف] (٣) - يَعني الصّالحينَ مِنهُم - وَهم: الصَحِابة وَالتابعُون وَالعلماء المجتهدون كَأبي حنِيفَة وَأصَحابه، انتهى (٤).
وَلاَ يَخفَى أنه جَعلَ سَبَّ الصَحِابة وَالتابعين وَأبي حَنِيفَة وَأصَحابه ﵃ أجَمعِينَ في حكمٍ وَاحِد، مِن عَدَم قبُول شهادَتهم، وَلو كَانَ سَبَّ الصَحِابة كفرًا (٥) لمَا أدخل غَيرهم مَعَهُم.
وَفي (حَاشيَة) (٦) شيخ الإسلام الهَروي (٧) عَلى (شرح
_________________
(١) هو كتاب في فروع الحنفية، تصنيف: شمس الدين أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا، وفاته سنة ٩٤٠هـ، وكان قد شرح متن الوقاية فسماه (إصلاح الوقاية)، ثم شرح شرحه فسماه (الإيضاح). كشف الظنون: ١/ ١٠٩.
(٢) يعني بهم أصحاب البدع التي لا تكفر صاحبها - على حسب رأي بعض الحنفية - كالجبر والقدر والرفض. ينظر الدر المختار: ٦/ ١٥.
(٣) ما بين المعقوفتين سقطت من (م).
(٤) البحر الرائق: ٧/ ٩٢؛ شرح فتح القدير: ٧/ ٤١٥.
(٥) في (د): (كفر).
(٦) ذكرها لها صاحب هدية العارفين: ١/ ١٣٨. وهذه الحاشية هي كانت على شرح الوقاية لصدر الشريعة. كشف الظنون: ٢/ ٢٠٢٢.
(٧) وهو المعروف بالحفيد التفتازاني، وقد تقدم التعريف به.
[ ١٠٢ ]
الوقِايَة) (١): أن الرافضة: الجماعَة الطاغية في الصَحِابة مِن الرفض بِمَعْنَى الترك، وَسمّوا بذلَكَ لِتركهم زيد بن عَلي (٢)، حِينَ نَهَاهم عَن الطِعن في الصَحِابة (٣)، وَالخَوارج عَلى اختِلاف فرقها يَجَمعها القول بتكفِير عثمَان وَعَلي وَطلحة وَالزبَير وَعَائشة وَمُعَاوية، انتهى.
وَلاَ يَخفى أنهم مَع هَذا عدوا مِن الطوائف الإسلامِيَّة، كَمَا هَو في الكتب الكلامية، وَإذَا كَانَ تكِفير هَؤلاء الأكابر مِنْ الصَحِابة لاَ يكُون كفرًا، كيف يكون سَبّ الشيخين كفرًا أيضًا؟ وَلو كَان سَبُّ الصَحِابة كفرًا لم يذكر في فَصل مَن لا يقبل شهادته؛ لأنه مَوضُوع في حَقِّ طَوائف المُسِلمين (٤).
وَقالَ في (الذخيرة) (٥): وَشهادَة أهل الأهواء مَقبُولة عندَنا إذا كَانَ هَوى لاَ
_________________
(١) أصل الكتاب هو: (وقاية الرواية في مسائل الهداية) تصنيف المحبوبي الموصلي (ستأتي ترجمته) متن مشهور من كتب الفقه للحنفية، طبع أول مرة في المطبعة القازانية سنة ١٣١٨هـ. معجم المطبوعات: ٢/ ١٢٠٠.
(٢) هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، إمام الزيدية، كانت إقامته بالكوفة، وفيها خرج على بني أمية، فقتل سنة ١٢٢هـ. طبقات ابن سعد: ٥/ ٣٢٥؛ وفيات الأعيان: ٥/ ١٢٢؛ سير أعلام النبلاء: ٤/ ٤٠١.
(٣) تاريخ الطبري: ٤/ ٢٠٤؛ المنتظم: ٧/ ٢١١؛ الكامل في التاريخ: ٤/ ٤٥٢.
(٤) قال أبو الثناء الآلوسي: «إن تكفير الاثني عشرية فيما ذهبوا إليه من التفصيل هو مذاق الفقهاء المكتفين في المطالب بالظواهر، وعدم تكفيرهم فيه مذاق المتكلمين الملتزمين بالقواطع في ذلك، وأنا أقول ما ذهبوا إليه مما هو مفصل في محله، إن لم يكن كفرًا فهو من الكفر أقرب». نهج السلامة: ص ٩٩.
(٥) هو كتاب (الذخيرة البرهانية) في الفقه الحنفي، تصنيف برهان الدين محمد بن أحمد بن الصدر الشهيد البخاري الحنفي (ت ٥٧٠هـ). معجم المؤلفين: ١٢/ ١٤٦.
[ ١٠٣ ]
يكفر به صَاحِبه، وَلاَ يَكون بإخبَار يكُون عَدلًا في تعَاطِيه، وَهوَ الصّحيح، قال: لأنهم إنما وَقعُوا في الهوى بالتأوِيل وَالتعَمق في الدين، ألا ترى أن مِنهم مَن يعظم الذنب حَتى يجعَلهُ كفرًا، وَفسقهم مِن حَيث ُالاعتِقاد لاَ يَدَل عَلى كَذبِهم [١٨/ب] عَمَدًا (١)، انتهى.
وَلعله أراد: «بهوى (٢) يكفر صَاحِبه» نَحو المجُسمة وَالمشبهة وَالحلُولية وَالاتحادية وَالوجودية، وَقول بَعض غلاة الرفضة مَن أن عَليًا هو الإله الأكبر، وَجعفر الصادق هوَ الإله الأصغَر.
ثُمَّ قال: وَمَا ذكرَ في الأصل - من أن شهادتهم جَائزَة عَندَ أبي حَنِيفة - مَحمُول عَلى هَذا.
وَنقلَ في (النهاية) (٣) هَذِه الرواية بلاَ ذكر خِلاف.
وَفي (شرح المجمع) (٤) لابن فرشته (٥): وَترد شهادَة مَن يظهر سَبَّ السّلفَ؛
_________________
(١) ورد النقل عن الذخيرة بالنص عند علاء الدين، تكملة حاشية رد المحتار: ١/ ٥٨٠.
(٢) في (د): (هوى).
(٣) هي (النهاية في شرح الهداية) تصنيف بدر الدين العيني الآتية ترجمته. كشف الظنون: ٢/ ٢٠٣٥.
(٤) أصل الكتاب هو (مجمع البحرين وملتقى النهرين) في فروع الحنفية، تصنيف: مظفر الدين أحمد بن علي بن ثعلب المعروف بابن الساعاتي البغدادي (ت ٦٦٤هـ). (كشف الظنون: ٢/ ١٩٥٥). ولم يسمه حاجي خليفة الشرح ولكن أشار إليه فقال: شرح المجمع لابن فرشته وهو شرح معتبر متداول. كشف الظنون: ٢/ ١٦٠١. وكذلك لم يسمه صاحب هدية العارفين: ١/ ٦١٧.
(٥) محمد بن عبد اللطيف بن عبد العزيز ابن ملك الرومي الحنفي، المعروف بابن فرشته، له مؤلفات في الفقه الحنفي، وفاته سنة ٨٠١هـ. الضوء اللامع: ٤/ ٣٢٩؛ هدية العارفين ٢/ ١٩٨.
[ ١٠٤ ]
لأنه يَكُون ظاهر الفِسق، وَتقبل مِن أهِل الأهَواء: الجبر وَالقدر (١) وَالرفض وَالخَوارج وَالتشبيه وَالتعِطيل، ثُمَّ يَصِير كلّ وَاحِد
مِنهِم اثني عَشر فرقة، فَيبلغ إلى اثنين وَسَبعِين فرقة (٢).
وَفي (شرح المجمع) (٣) للعيني (٤): لاَ تقبل شهادَة مَن يظهر سَبّ السلَف بالإجماعِ، لأنه إذا أظهَر ذلَكَ فَقدَ ظهَر فسقه (٥)، بِخلافِ مَن يكتمه لأنه فاسِق مسَتور الحال (٦).
_________________
(١) في (د): (الجبرية والقدرية).
(٢) البحر الرائق: ٨/ ٣٧. وقال ابن قدامة في حق من أجاز شهادة أهل الأهواء: «ووجه قول من أجاز شهادتهم أنه اختلاف لم يخرجهم عن الإسلام أشبه الاختلاف في الفروع؛ ولأن فسقهم لا يدل على كذبهم لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينا واعتقادا أنه الحق، ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه بخلاف فسق الأفعال». ثم قال: «ولنا أنه أحد نوعي الفسق فترد به الشهادة كالنوع الآخر ولأن المبتدع محمود فترد شهادته للآية والمعنى». المغني: ١٠/ ١٦٨.
(٣) هو (المستجمع في شرح المجمع)، وقد أضاف إلى شرحه أقول الأئمة الثلاثة ولوح إلى الأصح من أقواله. كشف الظنون: ٢/ ١٦٠٠.
(٤) بدر الدين محمود بن محمد العيني القاضي المصري، من فقهاء الحنفية، محدثًا أديبًا مؤرخًا، له شرح على صحيح البخاري، وفاته سنة ٨٥٥هـ. الضوء اللامع: ١٠/ ١٣١؛ شذرات الذهب: ٧/ ٢٨٦.
(٥) في (د): (بفسقه).
(٦) علاء الدين، تكملة حاشية ابن عابدين: ١/ ٨٥١.
[ ١٠٥ ]
وَفي (شرح الكِنز) (١) للزيلعي (٢) قَوله: أو يَبُول أو يَأكل عَلى الطريق، وَيظهر سَبَّ السلَف، يَعني الصالحِين مِنهِم وَهُم الصَحابة وَالتابعُون؛ لأن هَذِهِ الأشيَاء تدُل عَلى قصُور عقله (٣) وَقلة مُرؤته؛ وَمن لم يمتنع عَن مثلهما لا يمتَنع عَن الكذب عَادة، بِخلاِف مَا [إذا] (٤) كَانَ يخفي السبّ، ثم قَالَ: [ولا يقبل من يكثر شتم أبله ولا في شتم الفاسق ثم قال:] (٥) وَأهل الأهوَاء إلا الخطابية.
وَقال الشافِعي: لاَ تقبل شهادَة أهل الأهوَاء؛ لأنهم فَسقَة (٦)، إذ (٧) الفسق [من حيث الاعتقاد
أغلظ في الفسق] (٨) مِن حَيثُ التعَاطي وَلاَ شهادَة للفاسِق، ولنا أن الفاسِق إنما تردّ شهادَته لتِهمة الكذب وَالفِسق مِن حَيثُ الاعتِقاد، وَلاَ يَدُل عَلى ذلَك بَل مَا أوقعَهُ فيه إلا تدينه، ألا ترى أن فيهم من يكفر بالذنب (٩)،
_________________
(١) أصل الكتاب هو (كنز الدقائق) في فروع الحنفية لأبي البركات عبد الله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي، وفاته سنة ٧١٠هـ (كشف الظنون: ٢/ ١٥١٥)، للزيلعي شرح عليه سماه (تبيين الحقائق لما في الكنز من الدقائق). كشف الظنون: ٢/ ١٥١٥.
(٢) فخر الدين أبو محمد عثمان بن علي الزيلعي (وهو غير عبد الله الزيلعي صاحب نصب الراية)، فقيه حنفي أصله من الصومال سكن القاهرة وفيها وفاته سنة ٧٤٣هـ. الدرر الكامنة: ٢/ ٤٤٦؛ الجواهر المضيئة: ص ١١٥.
(٣) في (م): (مقلد).
(٤) غير موجودة في النسختين.
(٥) زيادة من (د).
(٦) النووي، روضة الطالبين: ١١/ ٢٣٩.
(٧) في (م): (أو).
(٨) زيادة من (د).
(٩) هذا القول مشهور عن الخوارج.
[ ١٠٦ ]
وَمنهم مَن يَجعَل منَزلَته بين (١) الإيمَان وَالكفر (٢)، فَيكون هوَ أقوى اجتنِابًا عَن الكذِب حَذرًا عَن الخروج مِن الدين؛ وَلأنه مُسلم عَدل لا يتعَاطى الكذب فوجَبَ قبُول شهادَته، قياسًا عَلى غَير صَاحِب الهَوى وَهَواه عَن تأوِيل وَتدَين، فَلاَ تبطل عدالته به، كَمَن يبيح [١٩/أ] المثلث (٣) أو مَتروك التسِميَة (٤).
واستدَل محمد (﵀) عَلى قبول شهادته، فقَالَ: أرَأيت أن أصَحاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعدوا مُعَاوية عَلى مخالفَة عَلي، وَلو شهُدوا بَيْنَ يَدي عَلي أكانَ يردّ شهادَتهم؟ وَمخالفَة عَلي بَعدَ عثمَان بدعَة وهَوى، فكيفَ الخُروج عَليه بالسّيف؟ وَلكن لما كَانَ عَن (٥) تأويلٍ وَتدينٍ، لم يمنَعْ قبول شهادَتِهِ أن يكونَ هوى لا يكفر بِهِ صَاحِبه.
وأَّما مَا ذَكره القهُستاني (٦) مِن أنه لا يقال: إن أهل الأهواء فاسقون بهَذِهِ الاعِتقادَاتِ، فكَيفَ تقبل شهادَتهم مُطلقًا؟ لأنا نقول لاَ نسَلم أنهم فاسَقونَ، فإن الفِسق لاَ يُطلق عَلى فِعل القلب - كَمَا في الكرمَاني - فخَطأ فَاحِش مِن قائلِهِ وَناقِله، بَلاَ تقدم مِن أن الفِسق مِن حَيثُ الاعتِقاد اغلظَ إلى الفِسق من حَيثُ
_________________
(١) هذا القول مشهور عن المعتزلة.
(٢) في (م): (بدين).
(٣) المثلث: هو الشراب المطبوخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي معتقًا وصار مسكرًا. بدائع الصنائع: ٥/ ١٢٢.
(٤) متروك التسمية: مصطلح يطلق على الذبيحة التي تعمد من ذبحها ترك التسمية عليها. الرازي، تحفة الملوك: ص ٢١٦.
(٥) في (د): (عند).
(٦) شمس الدين محمد بن حسام الدين الخراساني القهستاني الحنفي، كان مفتيًا ببخارى، له مؤلفات في الفقه، وفاته في حدود سنة ٩٥٣هـ. شذرات الذهب: ٨/ ٣٠٠؛ هدية العارفين: ٢/ ٢٤٤.
[ ١٠٧ ]
التعَاطِي، وَلأن بَغض الصَحِابة فسقٌ بالإجماعِ وَمحله القلب؛ وَلأن مَن في قلبه من الأخلاقِ الذمِيمة كالكِبر وَالحَسَد وَحبّ الدنيَا مِن الفسقة، كَمَا في (الإحَياء) وَغَيره مِن كتب الأخلاَقِ (١).
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَقوله: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولأن الفِسق لغَةً وَشرعًا هُوَ الخرُوج عَن الطاعَة، وَعُرفًا مُختَص بالكبَائر دونَ (٢) الكُفر وَالصِغائر، وَالله اعَلم بالسَرائر.
وَمِنْ هنا قالَ بَعض الأكابر: مَنْ لم يتغَلغل في علوم الصوفية ماتَ (٣) مُصِرًا عَلى الكبَائر وَلا يعلم، وَالله الهَادي إلى سَواء السّبيل (٤).
_________________
(١) في (د): (الإطلاق).
(٢) في (د): (يريدون).
(٣) في (م): (بات).
(٤) هذا الكلام مردود على المؤلف (﵀)، فكان الأولى به أن يستشهد بما ورد في السنة في هذا الباب من أحاديث وما ورد عن السلف من آثار وأخبار، مثل قول معاذ بن جبل قال: أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات قال: «لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدًا، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فقد برئت منه ذمة الله ولا تشربن خمرًا، فإنه رأس كل فاحشة وإياك والمعصية، فإن بالمعصية حل سخط الله ﷿، وإياك والفرار من الزحف، وإن هلك الناس وإذا أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأخفهم في الله». مسند الإمام أحمد: ٥/ ٢٣٨.
[ ١٠٨ ]