قاطِعة في حِقِّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حَتى لم يَجز لأحدٍ مخالفَته بوجه للِتيقن أنه مِن عِندِ الله، وَعصَمته عَن الإقرار (١) عَلى الخَطأ، وَإلهام غَيره ليسَ بحجة أصلًا، انتهى كلام (التحقيق) والله ولي التوفيق.
وَقد كرّه بَعضهم الإفتاء بقوله ﵊: «أجرؤكم على النار أجرؤكم على الفتوى» رواه الدارمي مرسلًا (٢).
وَعَن سَلمَان الفارِسي: أن ناسًا كَانوا يستفتونه فَقالَ: «هَذَا خير لكم وَشر لي» (٣).
وَعَن عبد الرحمن بن أبي ليَلَى قَالَ: «أدركتُ مائة وَعَشرينَ مِن أصحَاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمَا مِنهُم مِن أحَد يُسأل عَن حَدِيث أو فَتوى إلا ودَّ أن أخَاه كفاه ذلكَ» (٤).
وَالصَّحيحُ أنَهُ لاَ يكره لمَن كَانَ أهلًا لَهُ لِقولِهِ تعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وكان هَذَا أمرًا (٥) بالإجابة عن السؤال.
وَعَن أبي هُريرة - ﵁ - عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن أفتى مفتيًا غَير ثبت فإنمَا أثمه عَلى الذَي أفتَاهُ» رواه أحمد وأبو
_________________
(١) في كلا النسختين (القرار).
(٢) الدارمي، السنن: ١/ ٥١، رقم ١٥٧. قال الشيخ الألباني (ضعيف): رقم ١٤٧.
(٣) ابن المبارك، الزهد: ص ١٣.
(٤) الدارمي، السنن: ١/ ٦٥؛ ابن المبارك، الزهد: ص ١٩.
(٥) في كلا النسختين (أمر).
[ ١٣١ ]
داود (١).
وَقَالَ في (٢) (الملتقط) (٣): وَلاَ يَنبغَي لأحدٍ أنْ يفتي إلاَّ أن يعرفَ أقاويل العُلماء، وَيعلم مِن أين قالوا، وَيعرف مُعَاملاتِ النَّاس، فإن سُئل عَن مَسألة يعلم أن العُلماء (٤) الذين ينتحل مَذهبهم قَد اتفقوا عَلَيه، فَلاَ بَأسَ بأن يقول هَذا جَائز وَهذا لاَ يَجُوز، وَيكُون قَولِهِ عَلى سِبيل الحكَاية، وَإن كَانَت مَسألة قد اختلَفُوا فيها فلا بَأسَ بأن يقول: هَذا جَائز في قَولِ فلانٍ، وَفي قَولِ فلانٍ لاَ يَجُوز وَليسَ لَهُ الخيَار، فيَجبُ بِقَولِ بَعضهم (٥) [٢٤/ب] مَا لم يَعرف حجته (٦).
وَعَن أبي يُوسُف وَزُفر وَعَافية (٧) بن يزيد (٨) أنهم قَالُوا: «لاَ يحل لأحدٍ أن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بلفظ: «من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه، ومن أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه». المسند: ٢/ ٢٣١، رقم ٨٢٤٩؛ أبو داود، السنن، كتاب العلم، باب التوقي الفتيا: ٣/ ٣٣١، رقم ٣٦٥٧. قال الشيخ الألباني عن الحديث (حسن). صحيح الجامع: رقم ٦٠٦٨.
(٢) في (د): (وفي في).
(٣) الملتقط: في فتاوى الحنفية، لناصر الدين محمد بن يوسف الحسيني السمرقندي، وفاته سنة ٥٥٦هـ. كشف الظنون: ٢/ ١٨١٣.
(٤) في كلا النسختين (علماء) ولا يستقيم المعنى بها.
(٥) في (د): (فيجب بقولهم ما لم ).
(٦) ينظر للتفاصيل في هذه المسألة ابن حمدان الحنبلي، صفة الفتوى: ص ١٣ وما بعدها؛ ابن الصلاح، أدب المفتي والمستفتي: ص ٨٥ وما بعدها.
(٧) في (د): (وعقبة).
(٨) عافية بن يزيد بن قيس بن عافية القاضي الأودي الكوفي، قال ابن معين: ثقة مأمون، وفاته سنة ١٨٠هـ. تاريخ بغداد: ١٢/ ٣٠٧؛ تهذيب التهذيب: ٥/ ٥٣.
[ ١٣٢ ]
يفتي بقولنا، مَا لم يعلم مِن أين قَلنَا» (١).
قيلَ لعصَام بن يُوسُف (٢): «إنك تكثر الخلاف لأبي حَنِيفة، فقَالَ: لأن أبي حنيفة أوتي مِن الفَهم مَا لم نُؤتَ، فأدرك بفهمِهِ مَا لَم ندركهُ، وَلاَ يسَعنا أن [نفتي بقوله ما لم نفهم» (٣).
وعن محمد بن الحسن أنه سُئل] (٤): «متى يحل للرَّجلِ أن يفتي؟ قَال: إذا كَانَ صَوَابهُ أكثر مِن خَطأه» (٥).
وَعَن أبي بَكر الإسكافي البلخَي (٦) عَن عَالم في بَلدِهِ ليْسَ هناك اعلم مِنه، هل يسَعهُ أن لاَ يفتي؟ قَالَ: «إن كَانَ مِن أهِل الاجتهادِ [لا يَسعهُ، قيلَ: كيفَ يَكون مِن أهل الاجتهاد؟] (٧) وَقال: أن يَعرف وجُوه المسَائل وَيُناظر أقرانه إذا خَافوُهُ» (٨).
وَعَن ابن مَسعُود قَالَ: «مَن سُئل مِنكم عَن عِلم وَهوَ عَنده فليَقل به، وَإن
_________________
(١) نقله عن أبي حنيفة وزفر ابن أمير حاج الحنفي، التقرير والتحبير: ٣/ ٤٦٢؛ ونقله الدهلوي عن الثلاثة الذين ذكرهم المؤلف، عقد الجيد: ص ١٩.
(٢) عصام بن يوسف بن ميمون بن قدامة البلخي، روايته عن ابن المبارك، قال ابن حبان: كان صاحب حديث ثبتًا في الرواية وربما أخطأ، وفاته سنة ٢١٠هـ. الثقات: ٨/ ٥٢١؛ الجواهر المضيئة: ص ٣٤٧.
(٣) الدهلوي، الإنصاف: ص ١٠٥.
(٤) زيادة من (د).
(٥) البركتي، قواعد الفقه: ص ٥٦٥.
(٦) أبو بكر محمد بن أحمد البلخي الحنفي، كان فقيهًا زاهدًا، وفاته سنة ٣٣٠هـ. الجواهر المضيئة: ص ٢٣٩؛ كشف الظنون: ص ٥٦٩.
(٧) سقطت من (د).
(٨) الدهلوي، الإنصاف: ص ١٠٦. ولكن رواها عن محمد بن الحسن.
[ ١٣٣ ]
لم يَكن عندَه، فليقل الله أعلم، فإن مِن العِلم أن يقولَ لمَا لاَ يعلم لا أعِلم» (١).
وَسُئل شداد بن حكيم (٢) عَن قوله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن اللهَ خَلقَ آدم عَلى صُوَرته» (٣)، فقَالَ: نؤمن وَلا نقس، قَالَ أبُو اللّيث: بِهَذا أمرَ اللهُ تعَالَى بِقولِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
وَعَن ابن مَسعُود: «إنَّ الذِي يفتي بِهِ النَّاس [في كلِّ] (٤) مَا يَسألونه مَجنونٌ (٥») (٦).
وَعَن الثوري: «العَالم الفاجر فتنَةٌ لِكلِّ مفتون» (٧).
وَعَن ابن شبْرمة: «أن [من] (٨) المَسَائل مَا لاَ يحل للسائل أن يَسأِل عَنها،
_________________
(١) مسلم، الصحيح، كتاب صفة القيامة، باب الدخان: ٤/ ٢١٥٥، رقم ٢٧٩٨؛ الدارمي، السنن: ١/ ٧٣، رقم ١٧٣.
(٢) أبو عثمان شداد بن حكيم البلخي، روايته عن زفر، قال ابن حبان: كان مرجئًا مستقيم الحديث، قال الحافظ ابن حجر: وهو صدوق، لم أقف على وفاته. الثقات: ٨/ ٣١٠؛ لسان الميزان: ٣/ ١٤٠.
(٣) الحديث أخرجه البخاري، الصحيح، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام: ٥/ ٢٢٩٩، رقم ٥٨٧٣؛ مسلم، الصحيح، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل الطير: ٤/ ٢١٨٣، رقم ٢٨٤١.
(٤) زيادة من الحديث كي يستقيم المعنى.
(٥) في كلا النسختين (بمجنون).
(٦) الطبراني، المعجم الكبير: ٩/ ٢١٤. قال الهيثمي: ورجاله موثقون. مجمع الزوائد: ١/ ١٨٣.
(٧) ابن المبارك، الزهد: ص ١٨؛ البيهقي، شعب الإيمان: ٢/ ٣٠٨.
(٨) زيادة من (د).
[ ١٣٤ ]
وَلاَ لِلمُجيب أن يجيبَ عَنها» (١)، وَكَأنه اقتبسَ من قَولهِ تعَالَى: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
وَعَن الشعبي قَالَ: «سَلُوا عَمَا كَانَ وَلاَ تسَألوا عَمَا يكُون» (٢).
وَحُكي: «أن أبَا يُوسُف دَخل عَلى هارُون الرشِيد، وَعندَه اثنان يتناظرَان في الكَلامِ، فَقَالَ هارُون أحكم بَينَهما، فقَالَ لَهُ أبُو يُوسُف: أنا لاَ أخُوض فيمَا لاَ يعني، فقَالَ لَهُ الخليفَة: أحسنَت، وَأمرَ لَهُ بمائة ألف درهم، [وَأمرَ أن يكتب في الدوَاوين أن أبا يُوسُف: أخَذَ مائة ألف درهم] (٣) بترك مَا لاَ يعنيه» (٤).