وَفي [الحديث] (١): «الاقتِّصَادِ نِصف المعِيشة» (٢) وَفي روَاية: «مَا عَال مَنْ اقتصَد» (٣) وَقال تعَالَى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ [١٣/ب] ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] وَقالَ تعَالَى حِكايةً عَن وصَية لقمَان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمَان: ١٩].
فإذا عَرفتَ ذلَك عَلمتَ أن شِيعَة عَليٍّ ليسَ إلاَّ أهل السّنة هنالكَ، فإن غيرهم إمَّا مُبغضٌ مُفرطٌ كالَخوراجِ، حَيثُ سَبوه وَلعَنُوهُ وَكفَّرُوه وَحَاربُوه، وَإمَّا مُحِبٌّ مُفرطٌ كالرّوَافِضِ، فإنهم فَضلُوه عَلى غَيرَ النبّي صلى الله تعالى عليه وسلم مِن سَائرِ الأنبيَاء وَالرسُل الأصفِياء، كَمَا يُنادي منَاديهم: «مَا بَيْنَ الأرضِ وَالسماء محمد وَعلي خير البَشر» (٤).
_________________
(١) زيادة من (د).
(٢) والحديث عن ابن عمر كما أخرجه الطبراني بلفظ: «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم». (المعجم الأوسط: ٧/ ٢٥، رقم ٦٧٤٤) من طريق مخيمس بن تميم عن حفص بن عمر، ومن الطريق نفسها أخرجه البيهقي، شعب الإيمان: ٥/ ٢٥٤، رقم ٦٥٦٨. قال أبو حاتم: «هذا حديث باطل، ومحيس وحفص مجهولان». (علل ابن أبي حاتم: ٢/ ٢٨٤). وقال الشيخ الألباني (موضوع). ضعيف الجامع: رقم ٢٢٨٦.
(٣) الحديث عن ابن مسعود، أخرجه الإمام أحمد: ١/ ٤٤٧، رقم ٤٢٦٩؛ االطبراني، المعجم الأوسط: ٥/ ٢٠٦، رقم ٥٠٩٤؛ البيهقي، شعب الإيمان: ٥/ ٢٥٥، رقم ٦٥٥٩؛ ابن عدي، الكامل: ٣/ ٤٦٢. والحديث (ضعيف) كما حكم عليه الشيخ الألباني، ضعيف الجامع: رقم ٤٢٦٩.
(٤) وهذه اللفظة مستحبة عند فقهاء الإمامية، كما ذهب إلى ذلك المرتضى، الرسائل: ١/ ٢٧٩؛ ابن براج، جواهر الفقه: ص ٢٥٧.
[ ٧٦ ]
وَهَذَا مَع كَونه بدعَة قبيحَة في إدخَالهِ بَيْنَ كَلماتِ (١) الأذان، كلمة كفر فيها فضِيحَة عِندَ الأعيَان، بخِلاِف بدعَتهم في قولهم (٢): «حَي عَلى خير العَمل» فأمرٌ سَهلٌ، حَيثُ يَصِحّ في المعنَى، وَإن لم يرد في الآذان هَذَا المَبنى (٣)، مَع أنه مُستدرك مُستغنى عَنه بَعْدَ قَولهُ: «حَي عَلى الصَّلاة، حَي عَلى الفَلاح».
ثُمَّ بَالغَ طائَفةٌ مِنهم فكفرّت أبَا بكر لأخذه حَق عَلي وَمخالفَته، وَكفرّت عَليًا لِسكوتِهِ عنه وَرضَائه بموَافقتِه، وَنَفُوا جَواز التَقيَّة، فإنها لَو كَانَت جَائزة لكانَ أولى أن يقاتل (٤) مَع مُعَاوية بهَذِهِ القَضِية، فإنه كانَ أكثر جنُودًا مِنْ الصديق، وَأكبَر قَبيلَة مِنُه عِندَ التحقِيق.
ثُمَّ بَالغ طَائفة منهم في محبّته حَتى فَضلتهُ عَلى النبي وَسَائر أمتِهِ (٥)، كَمَا اشتهر عَن بَعضِ شعرَائهم المعتَبر عند كبرائهم أنه قَالَ: لم يَكن غرض مَن كسرَ الأصنامَ
_________________
(١) في (م): (كلمة).
(٢) في (د): (أقوالهم).
(٣) وردت آثار في هذا المعنى، فقد روى ابن أبي شيبة عن نافع قال كان ابن عمر قد زاد في آذانه حي على خير العمل. المصنف: ١/ ١٩٦، رقم ٢٢٤١٠؛ عبد الرزاق، المصنف: ١/ ٤٦٤، رقم ١٧٩٧؛ البيهقي، السنن الكبرى: ١/ ٤٢٤، رقم ١٨٤٢. قال البيهقي: «لم يثبت هذا اللفظ عن النبي ﷺ فيما علم بلالا وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه».
(٤) في (د): (يقال).
(٥) الشيعة الإمامية يتفقون على أن عليًا هو أفضل من الأنبياء عدا نبينا ﷺ، وبعضهم توقف في فضيلة علي والأئمة على أولي العزم، وقد رجح المفيد بأن الأئمة أفضل من أولي العزم (تفضيل أمير المؤمنين: ص ٩) أما ابن شهر آشوب المازندراني ففضله على سائل الأنبياء بما فيهم نبينا ﷺ حين قال: «وفي بعض الروايات أن مرتبة الإمامة أعلى من مرتبة النبوة». شرح أصول الكافي: ٥/ ١١٦.
[ ٧٧ ]
إلا أنه يُوصلُ المصُطفى كتفه إلى قَدم المرتَضى
وَيتشرف في ذلَكَ المقَامِ إلاَّ عَلي (١).
وَمضمون هَذَا البيَت مَشهُور الآن في المكان ويقرؤونه وَينقلونَهُ وَيستَحسُنونه، وَلم يعرفُوا مِن كَمال حَماقَتِهم في مَرتبَة العَقل وَجَهالتهم في مقام النقل أن كسرَ الأصنام فرض في دِين الإسلام، وَأنه قط لم يفضل وَليٌّ عَلى نَبي في شيء مِن الأحكام.
ثُمَّ بَالغَ طَائفة مِنهم في سِوء الاعِتقاد مِن جَعل النبي وعَلي في الإيجاد بوَصفِ الاتحادِ في المَعنَى، وَلو تَغَاير في المَبنَى (٢).
ثُمَّ بَالغَ طائفة مِنهم فَقالُوا [١٤/أ] أخطأ جِبريل في إيصَال التنزيل، حَيثُ أنزلَه عَلى النّبي [صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٣) وَغَفل عَن عَلي، وَيسمّونَ هَذِه الطائفة بالغِرابية حَيثُ توهمُوا أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يُشَابه عَليًا في كمال الصورَة، بحيث يتوهم الاتحاد حَال الضرورَة (٤).
_________________
(١) يشير المؤلف إلى ما تواتر في كتب الشيعة الإمامية من أن النبي - ﷺ - حمل عليًا على كتفيه يوم الفتح لتكسير الأصنام، والرواية لا تستحق أن نوردها ينظر عند ابن بابويه الرازي، الأربعون حديثًا: ص ٢٣؛ المازندراني، المناقب: ١/ ٣٩٨؛ المجلسي، بحار الأنوار: ٣٨/ ٨٥.ولا تعجب إن نسب الشيعة هذه الروايات إلى كتب أهل السنة كمسند أحمد وغيره من كتب الحديث كذبًا وزورًا، كما فعل الأميني في كتابه الغدير: ٧/ ٩. ويمكن الاطلاع على بعض الأشعار التي أوردها حول هذه الرواية المزعومة في الكتاب نفسه.
(٢) قال أبو حيان عند الكلام في قوله تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾: «ومن ذهب إلى أن الولي أفضل من النبي فهو زنديق يجب قتله». البحر المحيط: ٧/ ٢٢٨.
(٣) زيادة من (د).
(٤) ينظر: الفرق بين الفرق: ص٢٣٧؛ التبصير في الدين: ص ١٢٨؛ المواقف: ص ٦٧٣.
[ ٧٨ ]
وَمَن عَرفَ شمائله ﵊ في الخَلق وَالخُلق، عَرفَ أنه لاَ مُناسَبة بَيْنَه وَبَيْنَ علي، لاَ (١) في الصَّوَرة وَلاَ في السيرة، مَعَ أن تخطِئة جبريل مُستلزم لتخطِئة الربِّ الجليل، حَيثُ إنه سُبحانه مَا نبه جبريل عَليه وَلاَ أشارَ إليه في مُدةِ ثلاث وَعشرِينَ سَنةِ بِنجُومِ مُفَرقة، مَع قَوله تعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] وَهَذَا كَمَا تَرى كفرٌ صَرِيحٌ وَإلحاد قبيح.
ثُمَّ بالغ طَائفة مِنهم تُسَمى النصيريةَ يقولون لِعَلي بالإلوهية (٢)، وَنحو ذَلَكَ مَما بيناه في مَواضِع مما ألفنَاهُ.