وَفي (أصُول الفِقه) (٢) لأبي بَكر الرازي (٣): فأمَّا مَا يُؤخذ مِن كَلامِ رَجُل وَمذهَبه في كتاب مَعروف قد تدَاولته النسخ، يَجُوز لمَن نظَرَ فيه أن يَقولَ: قَالَ فلانٌ كَذا، وَإن لم يسمعهُ مِن أحَدٍ، نَحو كتب مُحمد بن الحسَن وَمُوطأ مَالك ونحوها مِن الكتب المصَنفَة في أصناف العُلُوم؛ لأن وجُودهَا عَلى هَذَا الوَصْف بمنزلَة خَبر المتواتر وَالاستِفاضة لا يَحتاج مِثلهُ إلى إسناد، وَينبغي أن يقدم المفتي مَن جَاءَ أولًا وَلاَ يقَدم الشريف عَلى الضعِيف (٤)، وَإذا أجَابَ المفتي ينبغي أن يكتبَ عَقبَ جَوابه: وَالله اعلم، وَنحَو ذلكَ، وَقيلَ في المَسُائل الدّينية التي أجمعَ عَليها أهِل السّنة وَالجماعَة ينَبغِي أن يكتبَ: وَالله الموفق، وَبالله العصمة، وأمثاله (٥).
وَإذا سُئل عَن مَسألة ينبَغي أن يمعِن النظَر فيها، وإن كَانَت مِن جنسِ مَا يفصل في جَوابها يفصل، وَلاَ يَجبُ عَلى الإطلاق فإنه يكُون مخطئًا، وَعن أبي يُوسُف سَمِعتُ أبَا (٦) حَنِيفة يَقول: «لَولاَ الخَوف مِن الله [تعالى] (٧) مَا أفتيت
_________________
(١) الدهلوي، عقد الجيد: ص ١٩؛ الإنصاف: ص ١٠٥.
(٢) ذكره له صاحب كشف الظنون: ١/ ١١١.
(٣) أبو بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص الحنفي، سكن بغداد وعنه أخذ فقهاؤها، وفاته سنة ٣٧٠هـ. الفوائد البهية: ص ٨٤؛ شذرات الذهب: ٣/ ٧١.
(٤) ذكره البركتي، قواعد الفقه: ص ٥٦٧.
(٥) البركتي، قواعد الفقه: ص ٥٨٣؛ ابن حمدان، صفة الفتوى: ص ٥٩.
(٦) في (د): (أبي).
(٧) زيادة من (د).
[ ١٣٧ ]
أحَدًا لكون الهناء لهَمُ [٢٥/ب] وَالوزر عَلينَا» (١).
وَقد نَظم الإمَام سِرَاج الدين الغزي (٢) أخو صَاحِب (المحيط) هَذَا المَبنى وَزادَ في المَعْنَى حَيثُ قَالَ شِعرًا (٣):
تركت الكتب في الفتوى وإني لمحُتَسب بهذا الترك أجرا
وَمَا تركي لعَجزي مِنهُ لكن (٤) أكرر مِن أصُول الشرع وَقرا
وَأمَّا مَا درست بغَير حِفظ فَيعظم ذكرهَا عدًا وَحصرا
وَلي مِن سَائر الأنواعِ حَظٌ وَمَا قولي مَعًا وَالله كبرا
وَلكن أذكر النعماء عندِي مِن الرحَمن (٥) إيمانًا وَشكرا
وَلكن قد يكُون الحكم طورًا خلافيًا وَبالإجماع طُورا
فَترتَعد الفَرِائص عِندَ كتبي نَعم أو لاَ بظني ذَاك خَيرا
وَتركي قول مُجتَهد سوَاهُ لظنّ قد يكُون الظنّ وزرا
تدبّرت الأمور وَكأنَ كتبي لَدى الأمر (٦) حيثًا وَذكرَا
فقلت هدَاكَ إن النَّاس طرا قد اتخَذُوك للِنيرانِ جسرا
فَلاَ يغرركَ ذكر الناسِ وَاجهد لتكسب عندَ رب العَرش ذكرا
وَبادِر في قبُول الحَق وَأحذَر قضاء لازمًا مَوتًا وَحشرَا
وَدع عَنكَ العلو تكون عَبدًا قنُوعًا صًالحًا سِرًّا وَجَهَرا
وَلا تركن إلى الدنيَا وَشمّر لما يُدعَي لَدَى الرحمَن ذُخَرا
فَلاَ يغني مَقال الحَق عَنّي هُوَ المغني لما أرهقت عُسَرا
فحسَبي عَفو رَبي عندَ تركي وَحَسِبي كتبه البَاقِينَ عذرا
_________________
(١) لم أقف عليها.
(٢) لم أقف على ترجمته سوى إشارة له في الجواهر المضيئة: ص ٣٧٣.
(٣) (شعرًا) سقطت من (د).
(٤) في (د): (ولكن).
(٥) في (م): (الرحمة).
(٦) في (م) زيادة (إلى) ولا يستقيم البيت.
[ ١٣٨ ]
[وَالله ﷾ اعلم بالصوَاب، وإليَه المرجع وَالمآب] (١)، وَصَلى الله عَلى سَيدنا محمّد، وَعَلى آله وَصَحبه وَسَلم [تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين] (٢).
_________________
(١) سقطت من (د).
(٢) زيادة من (د).
[ ١٣٩ ]
قائمة