فإن قلت: هَل مَعَك دَليل ظني عَلى كفر (١) الرفضة؟ قلتُ: نَعَمْ أمَّا الكتاب فَمنه قوله تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ﴾ الآية [الفتح: ٢٩] فإنه يشير إلى تكِفيرهم (٢) مِنْ وَجهَينَ:
أحَدُهما: أنَّ الله ﷾ بيّنَ أن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأصحَابه وَأتباعه وَأحبَابه، مَذكورونَ (٣) في الكتب السالفِة مِنْ التوراة وَالإنجيل بما بينه مِنْ طَريقِ التمثيل، ثُمَّ ذكرَ وَعدهم بأن لهم مَغفرة وَأجرًا عَظيمًا في العُقبَى لما أصَابهم مِن المَحن والبَلوى في مَحبة المَولى وَطريق المُصطفى في الدنيا، فمَنْ أبغضَهم يكون شرًا مِنْ اليَهودِ والنصَارى؛ لأنهم قائلونَ بأن أفضلَ الخلق أصحاب مُوسى وَعيسَى، ولا شك أن الخلفاء الأربَعة هُم السّابقونَ الأولوُن مِنْ المهاجرينَ، وَقد قالَ الله تعَالى في حَقهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ثُمَّ قوله سُبحانَه في الآيةِ السابقةِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] (٤) بلَفظ ليسَ لإخراج بَعضهم -
_________________
(١) في (م): (الكفر).
(٢) في (د): (كفرهم).
(٣) في كلا النسختين (مذكورين).
(٤) قوله تعالى: ﴿مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، سقطت من (د).
[ ٥٣ ]
كَمَا زَعَم الرفضة - فإن (مِنْ) لِلبيَانِ لا لِلتبعِيض المنافي لمقام المنَّة (١).
وثانيهما: أنه فسّر قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] (٢) بأبي بكر الصّديق - ﵁ - (٣)، الذي رزق التوفيق بكوَنِه مَعَه في الدار وَالغار، وَفي سائر الأسفار إلى أن دُفن مَعه في بَرزَخِ داَر القرار، وَقد قالَ سَيد الأبرار: «إنه يحشر أبو بَكر في اليَمين وَعُمر في اليسارِ [٩/ب] ﵄» (٤) وَهكذا يَدخل مَعَهُما في الجنَّة بإذن الملك الغفار.
وَفسّر: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ بعمر بن الخطاب (٥) الفاروق، المبَالغ في الفَرق بَينَ الخَطأ وَالصّوَاب (٦) المبين لقبه في الكتاب، حَيثُ قتل المنافق الذِي ما رَضي لحكم النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لليهَودي في فَصْلِ الخِطاب (٧).
_________________
(١) في (د): (السنة). وقد رد العلامة الآلوسي شبهة الرافضة هذه في تفسيره روح المعاني: ٢٦/ ١٢٧. فراجعه.
(٢) كذا في الأصل والسياق يفيد بأن المؤلف يتكلم على آية الفتح وهي (وَالَّذِينَ مَعَهُ).
(٣) كما روى ذلك البغوي عن الحسن البصري، تفسير البغوي: ٤/ ٢٠٦.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ، ولكن أخرج الحكيم الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أحشر أنا وأبو بكر وعمر هكذا وأخرج السبابة والوسطى والبنصر، وأراه قال ونحن مشرفون على الناس». نوادر الأصول: ١/ ١٦٦.
(٥) (بن الخطاب) سقطت من (د).
(٦) في (د): (الثواب).
(٧) يشير المؤلف إلى ما روي في كتب التفسير من قصة قتل عمر بن الخطاب لرجل من المنافقين بعد أن احتكم مع يهودي إلى النبي - ﷺ - فلم يرضَ بحكمه، ثم إلى أبي بكر الصديق - ﵁ - فلم يرضَ بحكمه: «فأقبلا على عمر فقال اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله ﷺ ثم إلى أبي بكر، فلم يرضَ فقال عمر للمنافق: أكذاك هو؟ قال: نعم، قال: رويدكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد، وقال هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله وهرب اليهودي». القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: ٥/ ٢٦٣.
[ ٥٤ ]
وَفسّر: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ بعثمان بن عَفّان، الذي استحى مِنْهُ مَلائكة الرحمَن، وَالذِي رزق الحَظ بالسرورَين (١) في تلقِيبه بذِي النورين، حَتى مِنْ كَمال رَحمه عَلى رَحمه له مَا جَرى في أنواع البلوى (٢).
وَفسّر: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ يِعَني (٣) المرتضى، وَابن (٤) عَمِّ المصطفى، وَزَوج البتول الزّهراء (٥)؛ لكثرة ركوعه وَخشوعه، ولإطَالِة سُجودِهِ مَع كمال كرَمه وَجُوده (٦)، حَتى جَادَ في حَالِ ركوُعهِ، وَفي مقام (٧) شُهوده كَمَا يشير إليه قوله تعَالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ
_________________
(١) في (د): (في السرورين).
(٢) تفسير البغوي: ٤/ ٢٠٦.
(٣) في (د): (بعلي).
(٤) في (د): (بن).
(٥) في (د): (الزهرى).
(٦) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات، وهو الشدة على الكفار والرحمة بينهم والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانا، والسيما في وجوههم من أثر السجود، وأنهم يبتدؤون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال كالزرع والوعد بالمغفرة والأجر العظيم، ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح، فذكر ما به يستحقون الوعد وإن كانوا كلهم بهذه الصفة». دقائق التفسير: ٢/ ١١٢.
(٧) في (د): (قيام).
[ ٥٥ ]
الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] (١)
وَالتعبير بصِيغةِ الجمع: أمَّا تَعظيمًا لشأنِه وَحَاله (٢)،
أو تنبيهًا عَلى أن المراد هُوَ مَع أمثاله في تحسِين أقواله وَتزيين أفعَاله وَأحَوالِهِ (٣).