وَالَحاصِل أن عَليًا لَهُ مُشابَهة بعِيسَى بن مَريَم في هَذِهِ القضِية، حَيثُ كفرَ اليَهُود بِسَبب إفراطِهم في بغضِهِ وَنسَبته إلى مَا لاَ يَلِيق به مَما يصَان عَنهُ اللسَان، وَكفر النصَارى في إفراطِهم في حبّه ونسبته إلى التثليث وَالاتحاد وَالعِينية، المُشاركة لهم في هذِهِ بخصُوصِهَا الطائفة الوجُودية، وبطلاَن (٣) أقَوال هَذِهِ الطوَائف ظاهِر لأهِل الإسلام مِن الخَوِاص وَالعَوام، وَقد أوضَحنَا هَذِهِ (٤) الأدِلة العقلية النقلية في كتُبنا المتعَلقة بالتفِسير والأحَادِيث وَأقوال الصوفية.
_________________
(١) (لا) سقطت من (د).
(٢) ويسمون أيضًا: الإسحاقية. ينظر المواقف: ص ٤٧.
(٣) في (م): (بطلان).
(٤) (هذه) سقطت من (د).
[ ٧٩ ]
ثُمَّ مِن اللطائف مَا ذكرَه ُالمِرغيناني (١): أن الشيطانَ الطاق (٢) - وَهو شيخ الرافضَة عَلى الإطلاَقِ - كَان يتَعرض للإمَامِ الأعظم كثيرًا مِن الأيَام، فَدخل الشيطان يومًا في الحمّام، وَكانَ فِيه الإمَام، وَكَانَ قَريب العَهد بموَتِ الأستَاذ حَماد (٣)، فَقالَ الشيطان: مَات أستاذكم فاسترضاه منه، فقال الإمَام: أستاذنَا مَاتَ وَأستاذكم مِن المنظِرينَ إلى يومِ الوَقت المعلُوم (٤)، فتحَير الرافضِي وَكشفَ عَورته، فغمضَ الإمَام ناظره فَقالَ الشيطَان: يَا نعمَان مُذ (٥) كم أعمَى الله بصَرك؟ [١٤/ب] فقال: مُذ (٦) هتكَ الله ستركَ، فبَادر الإمَام إلى الخرُوج مِن الحمام (٧)، وانشَأ هَذَا الكلام [يقول] (٨):
_________________
(١) أبو الفتح زين الدين عبد الرحيم بن أبي بكر بن علي السمرقندي، فقيه حنفي، من أعيان المفتين، وفاته سنة ٦٧٠هـ. الفوائد البهية: ص ٩٣؛ هدية العارفين: ١/ ٥٦٠ ..
(٢) هو محمد بن علي بن النعمان البجلي الكوفي، الملقب بشيطان الطاق، نسب إلى سوق طاق المحامل بالكوفة، وكان صاحبه هشام بن الحكم شيخ الرافضة يسميه مؤمن الطاق، ويقال أول من لقبه بذلك أبو حنيفة، وله مناظرات معه. الملل والنحل: ١/ ١٨٦؛ منهاج السنة النبوية: ٢/ ٢٢٧؛ لسان الميزان: ٥/ ٣٠٠ ..
(٣) أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان مسلم الكوفي، الإمام فقيه العراق، كان أحد العلماء الأذكياء، وفاته سنة ١٢٠هـ. طبقات ابن سعد: ٦/ ٣٣٢؛ سير أعلام النبلاء: ٥/ ٣٣١.
(٤) الشطر الأول من القصة ورد في تاريخ بغداد: ١٣/ ٤٣٦. ولكن وردت بصورة معكوسة، إذ القائل العبارة الأخيرة هو شطان الطاق، وكان ذلك عند وفاة محمد الباقر حسب رواية الخطيب البغدادي.
(٥) في (د): (منذ).
(٦) في (د): (منذ).
(٧) الرواية وردت في المستظرف من كل فن مستظرف: ١/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٨) زيادة من (د).
[ ٨٠ ]
أقول وَفي قولي بلاغ وحكمة (١) وَمَا قلت قولا حَيثُ فيه بِمُنكر
ألا يَا عِبَاد الله خافُوا إلهكم وَلاَ تدخلوا الحمّام إلا بِمِزر (٢)
وَمنهَا مَا قَالَ أبُو الفَضل الكرمَاني (٣): «إنه لما (٤) دخل الخَوارج الكُوفة، وَرأيهم تكِفير كل مَن أذنَب، وَتكفر كل تكفره، قِيلَ لَهَم هَذَا شيخ هَؤلاء، فأخذُوا الإمَام وَقَالُوا: تب مِن الكفر فَقالَ: أنا تائب مِن كلِّ كفر، فَقِيل لَهم: إنه قَالَ أنا نائب مِن كفركَم فاخَذوهُ، فَقَالَ لهُم: العلم (٥) قلتم أم نظن، قالوا: نظنّ، قال: إن بَعض الظن أثم، وَالأثم ذَنب فتوبُوا مِن الكفر، قالُوا: تبْ أيضًا مِن الكفر، فَقالَ: أنا تائبٌ مِن كلِّ كفر». فهَذَا الذي قالَهُ الخصُوم: «إن الإمَام استتب مِن الكفر مرتين» (٦)، وَلبسُوا عَلَى النَّاس، انتَهى.
وَوَقعَ لي نظر هَذَا الحال مَع بَعضِ الجهال مِن قضاة الأروَام (٧)، فإنه لما سَمعَ
_________________
(١) (وحكمة) سقطت من (د).
(٢) لم أقف عليه منسوبًا لأبي حنيفة.
(٣) هو محمد بن يوسف بن علي الكرماني البغدادي، صنف في العربية والكلام والمنطق، وله شرح على صحيح البخاري، وفاته سنة ٧٨٥هـ. الدرر الكامنة: ٥/ ٧٢؛ البدر الطالع: ٢/ ٢٩٢.
(٤) في كلا النسختين: (لا).
(٥) في (د): (أيعلم).
(٦) العقيلي، الضعفاء: ٤/ ٢٨٢؛ ابن حبان، المجروحين: ٣/ ٦٤؛ الخطيب، تاريخ بغداد: ١٣/ ٣٩١.
(٧) جمع روم. وهي على (أفعال). وسلاجقة الروم مسلمون سكنوا غرب تركيا الحالية، وأطلقت عليهم هذه التسمية لمجاورتهم للروم.
[ ٨١ ]
بي (١) أني طعنت في كَلام ابن عَرِبي (٢) وَهوَ مُعتقد، قال: تب إلى اللهِ، فقلت: أتوب إلى الله مِن جَميع مَا ذكرَهُ الله.
وَمنهَا ذَكرَهُ الغزنوي (٣) عَن شريك بن عَبد الله (٤) قال: «كَنا عِندَ الأعمَش (٥) في مَرَضهِ الذي توفي فيه، فدَخلَ عَلَيه أبو حَنِيفَة وَابن أبي ليَلَى (٦) وَابن شبرمَة (٧)، وَكان الإمَام أكبر فبدأ بالكلام، وَقَالَ: اتقِ الله فإنكَ في أولِ يوم من أيّام الآخِرَة، وَقِد كَنتَ تَحدثت عَن عَلَي - ﵁ - بأحَادِيث لَكانَ أمسَكتها
_________________
(١) في (م): (لي).
(٢) في (د): (العربي). وهو محي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد أبو بكر الطائي الأندلسي الصوفي، اشتهر بتصوفه، وكان له شعر يدل على اعتقاده بوحدة الوجود، مات سنة ٦٣٨هـ. العبر: ٥/ ١٥٨؛ لسان الميزان: ٥/ ٣٠٧.
(٣) هو أحمد بن محمد بن سعيد الحنفي، فقيه أصولي، له مؤلفات عديدة، وفاته سنة ٥٩٣هـ. الجواهر المضيئة: ١/ ١٢٠؛ الأعلام: ١/ ٢١٦.
(٤) هو أبو عبد الله شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، قال الذهبي: حسن الحديث إمامًا فقيهًا ومحدثًا، ليس هو في الإتقان كحماد بن زيد، وفاته سنة ١٧٧هـ. تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٣٢؛ تهذيب التهذيب: ٤/ ٢٩٣.
(٥) هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ عارف بالقراءات ورع لكنه يدلس، وفاته سنة ١٤٧هـ. الجرح والتعديل، ٤/ ١٤٦؛ سير أعلام النبلاء، ٦/ ٢٢٦؛ تهذيب التهذيب، ٤/ ١٩٥.
(٦) أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، الفقيه والقاضي والمقرئ، قال العجلي: كان فقيهًا صدوقًا صاحب سنة، وفاته سنة ١٤٨هـ. تذكرة الحفاظ: ١/ ١٧١؛ تهذيب التهذيب: ٩/ ٢٦٨.
(٧) أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة بن حسان بن المنذر الضبي الكوفي، القاضي الفقيه، من رجال مسلم وأخرج له البخاري في المتابعات، وفاته ١٤٤هـ. سير أعلام النبلاء: ٦/ ٣٤٧؛ تهذيب التهذيب: ٥/ ٢٢٠.
[ ٨٢ ]