الحمدُ لخالقِ البَرايَا، وَالشكرُ لوَاهبِ العَطايَا، وَالمَدحُ لِدَافعِ (١) البَلايَا، والصَّلاةُ وَالسّلامُ على سَيدِ الأنبيَاءِ وَسَند الأصفيَاءِ، وعَلى آلهِ وأصحَابهِ الأتقِيَاء، رغمًا للخَوارجِ والرّوَافِض مِنْ الأغبيَاء.
أمَّا بعدُ:
فيَقولُ الرّاجي برَّ (٢) رَبِهِ البارِي عَلي بن سُلطان محمد القارِي: إنَّ أول مَا يجَبُ على العِبَاد تحسِين الاعتِقاد بِطَريقِ الاعتماد؛ ليَنفَعهُم حيَن المعَاد يومَ التنادِ (٣)، وَمِنْ المعلُوم عند أربَابِ العُلُوم وَأصحابِ المفهوم أن مبنى العَقائدِ على الأدلةِ القَطِعية، [لاَ عَلى] (٤) الحجَج الظنِيّة المفيدَة في المسَائلِ الفقِهيةِ الفَرعية، وَذلكَ لقولِهِ تَعالى في ذَمِّ الكفَّار: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئا ً فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٢٨ - ٣٠] وَالآيَاتُ في [هذا] (٥) المَعْنى كثيَرة،
_________________
(١) في (د): (لرافع).
(٢) (برّ) سقطت من (د).
(٣) (يوم التناد) سقطت من (د).
(٤) زيادة من (د).
(٥) وردت في (د): (هذه) ولا توجد في (م).
[ ٢١ ]
والأحادِيثُ في المبنى كثيرة (١) شِهيرة، والإجماعُ منعقد عليَه [عند] (٢) من يؤخذ مَعِرفة لدَيه.
وإنما الخلاف في أنَّ إيمانَ المقلدِ هَلْ هُوَ صحِيحٌ أم لا؟ [١/ب] فالجمهُور على أنْهُ يَصِحّ إلا أنه مُؤاخذ بتركِ ما يجَبُ علَيهِ، والمحققونَ لا يَميلُونَ إليَهِ، حَتى إمُامنَا الأعظم وَهمامَنا الأفخم (٣) أوجَب الإيمان بمجردِ العَقل، وَلو لم يبعثِ الرسُل، ولم يظهر النقل، ويؤيّدُه قَوله تعَالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات: ٥٦] أي ليعرفون (٤)، كما فسَّرهُ حَبرُ الأمَّةِ ومقتدى الأئَمة (٥).
_________________
(١) (كثيرة) سقطت من (د).
(٢) زيادة من (د).
(٣) هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي، إمام أصحاب الرأي، وفقيه العراق، قال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وفاته سنة ١٥٠هـ. تاريخ بغداد: ١٣/ ٣٢٣؛ سير أعلام النبلاء: ٦/ ٣٠٩.
(٤) لم أجد هذه الرواية عن ابن عباس، وإنما هي تنسب إلى ابن جريج كما في تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٣٩؛ وقد تمسك بعض الصوفية بهذا الحديث في ترجيح تفسير هذه الآية كما في تفسير أبي السعود: ٢/ ١٣٠. وقد روى الطبري عن ابن عباس في تفسير: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون: إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها»، وقد رجح هذه الرواية وانتصر لها في تفسيره: ٢٧/ ١٢.
(٥) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب من مشاهير علماء الصحابة في التفسير لدعوة النبي - ﷺ -، وفاته سنة ٦٨هـ. ترجمته في تذكرة الحفاظ: ١/ ٤٠، تهذيب التهذيب: ٥/ ٢٤٢.
[ ٢٢ ]
وأما قوله تعالى (١): ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فالمرادُ بِهِ عَذاب الدنيَا دُونَ عَذابِ الآخِرةِ (٢)، أو يجعَل العَقل أيضًا رَسُولًا؛ لأن بِهِ إلى مَعرفةِ الحَقِّ وصُولًا وَبُدونَه، حَتى معَ وجُودِ الرسول لم يكنْ حصُولًا (٣).
ثمَّ مِنْ الغِرَيبِ ما وَقعَ في القريب أنه صدر عَني في بعضِ مَجالِسِ درسي وَمجامع أنسِي: أن سَبَّ الصحَابة ليسَ كفرًا (٤) بالدلِيلِ القطعي بَل بالظني، وَإنَّما يقتلُ السَاب للأصحَاب في مَذهَبنا سَياسَة للِدوَاب عَن قلةِ الآدابِ في هَذا البابِ، فتوشوش خاطر بَعض الحاضِرينَ مِنْ الرجَالِ، مِمنْ يشبه الأعوَر الدَّجال، الذِي لم يفرقْ بَينَ الحَقِّ مِنْ الأقوالِ، وبَينَ البَاطلِ الصادرِ عَنْ أهلِ الضلالِ، وَاغتَر بمنْ (٥) قرأ بَعض المقَدمَاتِ الرسميَّةِ مِنْ العلُومِ الغريبةِ الوَهِمية، ولم يُميزْ بَينَ العَقائدِ القَطِعِية وَالفَوائدِ الظنيَّة، حَيْثُ ألتقط عَقيدَته من ألسِنةِ (٦) العَوامِ، أو مِنْ آبائِهِ الذِينَ لم يكونُوا مِنْ العُلمَاءِ الأعلامِ، وَقَدْ قالَ تعَالى في ذمِّ هَؤلاءِ الذِينَ كالأنْعَامِ، قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾
_________________
(١) في (د): (سبحانه).
(٢) في (د): (العقبى). وقول القاري هنا أن العذاب مخصوص بالدنيا ذهب إليه بعض أهل العلم، وذهب آخرون إلى أن: «هذا عام في الدنيا والآخرة». القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: ١٠/ ٢٣١.
(٣) لا يمكن للعقل أن يدرك مقام العبودية بدون رسالة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ذكر الآمدي ثلاثة أقوال في طرق العلم: قيل بالعقل فقط والسمع لا يحصل به كقول الرازي، وقيل بالسمع فقط وهو الكتاب والسنة، وقيل بكل منهما ورجح هذا وهو الصحيح». النبوات: ص ١٧٤.
(٤) في كلا النسختين: (كفر).
(٥) في كلا النسختين: (بما).
(٦) في (د): (ألسن).
[ ٢٣ ]
[الزخرف: ٢٣] أي: على أنوارِهِم مُهتَدونَ (١) و: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] وَمُعتَمدُونَ (٢).
فَتركَ صُحبتنا وحَضرتنا، وَاختارَ غيبتنا وَعتبنا (٣)، وكانَ الوَاجبُ عليِهِ مِنْ الأدَبِ لدَيِهِ (٤) أنْ يُغْمضَ عينه مِنْ بَعضِ عيُوبنا، لَو تحقق شَيْءٌ مِنْ ذنُوبنِا رعايَة لِحفظِ قلوُبنا، إذْ غايَته أنَّه إذَا (٥) وقع خطأ مِنا والمجتهد قَدْ يخطئ في مَذهَبنِا، أو انفَردنا بهذا القَوْلِ عَنْ غيرنا أو تبعنا أحدًا مِنْ مَشائخِنَا [٢/أ] فتَعيَن عَلَيْهِ أنْ يَأتِينا بنقلٍ لدَيه، أو روَايةٍ وَصَلتْ إليَهِ، أو يبحَث معَنَا، ليظهرَ مَا عِنْدَنا فيَقبلهُ مِنا أو يَردهُ عَلينَا، فنَقبلهُ [منه] (٦) أو نَدفعهُ عَنا، كما هُو طِريقة العُلَماء وَالطلَبة مِنْ الفُضَلاءِ.
هَذا الإمَام الأعظم وأصحَابه في مَقَامِهِ الأفخمِ، كانوا يتَباحثونَ في المسَائل، ويتَناقشونَ في الدلائلِ، ويتَنافسونَ في الفضائلِ، فإمّا أنْ يَرِجْعَ الإمَامُ في أقِوالهِم، أو يَرجعونَ (٧) إلى قولِهِ بتحسِين أحَوالهم، وكذَا كَانَ حَالُ السَّلفِ مِنْ الصَحابةِ والتَابعينَ في مجَالسِهم الجامِعينَ، يتَذاكرونَ في العِلمِ ويتبَاحثونَ بالحِلمِ هنالكَ،
_________________
(١) قال مجاهد في تفسير: ﴿وإنا على آثارهم مقتدون﴾ قال: بفعلهم، وقال قتادة: فاتبعوهم على ذلك. تفسير الطبري: ٢٥/ ٦١.
(٢) قال ابن كثير: «أي يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون». التفسير: ٣/ ٢٤٨.
(٣) (وعتبنا) سقطت من (د).
(٤) (لديه) سقطت من (د).
(٥) في (د): (قد).
(٦) زيادة من (د).
(٧) في (د): (يرجعوا).
[ ٢٤ ]
بخَلافِ الخلف حَيْثُ كانَ خلقُهُم على خَلافِ ذلَكَ.
وكذَا لمَّا منعَ الإمَامُ وَلدَه حَماد (١) عَنْ البَحثِ في علمِ الكلامِ، وأجَابَ عَنْه بأنَّي رَأيتك تَبحَثُ في هَذا المرامِ، فَقَالَ: نَعَمْ إنَّي كُنْتُ في الجنَّةِ مع صَاحِبي وأخَاف عَليِه مِنْ أنْ يخطئ في ذلكَ المقامِ، وأنتم في هذِه الأيامِ تتَباحثونَ، وكلٌّ (٢) منكِم يريدُ أنَّ صَاحبَه يقع في الكفرِ والملامِ، بَلْ أنتم بهذَا تَفرحونَ وتَتفاخرونَ، ومِنْ أرَادَ أنْ يذلَّ صَاحِبَه، وَيكفر كَفر قَبْلَ أنْ يكفرَ صَاحِبَه.
ثم أغرب مِنْ هَذَا أنَّه انتقل مِنا إلى بَعضِ إخوانِنا مِمنْ (٣) يستعيض مِنْ عَدوِنا، وَيفيض مِنْ مَدَدنا حَيثُ لم يلقَ مِنْهُ مِنْ بَعدنا، فحرم مِن شمة وردنا وَسَابقة وَردنا بَعد اختِيار بُعدنا.
وَمِنْ اللطائفِ في مَراتبِ الظرائف، أنْ بَعضَ طلبَة العِلم الشريف بَحث مع شيخه في مَحفلٍ منيف (٤)، وكلما أتَاه الأستَاذ في دَفع مَا أورده عليه من الإيراد نقضه، وأجَابَ بما يُناسِبُهُ (٥) مِنْ الأسِتَاذ، فلمَّا عَجزَ عَنه شيخه في الجوَابِ، قالَ لهُ في مَقامِ العتاب: «مَا أحسَن دأبكم في مُرَاعَاة الآدَاب، أنْه إذَا وَقعَتْ [زلة مِنْ معلمكم] (٦) في فصِلِ الخطابِ، تَتعلقونَ بحلقه ولا تتَحملونَ بَعضَ غلطِهِ وزيفِهِ،
_________________
(١) هو حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، كان على مذهب والده، كان صالحًا خيرًا، وضعفه ابن عدي من قبل حفظه، وفاته سنة ١٧٦هـ. سير أعلام النبلاء: ٦/ ٤٠٣؛ لسان الميزان: ٢/ ٣٤٦.
(٢) في (د): (فكل).
(٣) في (د): (مما).
(٤) في (د): (المنيف).
(٥) في (د): (يناسب).
(٦) ما بين المعقوفتين جاءت في (د): (ذلة مَن يعلمكم).
[ ٢٥ ]
فما أحسنَ آدابَ الصَّوفيّة والمريدين، حَيثُ يصَدقونَ [٢/ب] مَشائخهم، ولو تَكلمُوا بما يخَالف مِنْ أمُورِ الدينِ، فقالَ (١) التلميذ هكذا دَأبهم وآدابهم، وعلى نَحو هَذَا العُلمَاء وَأصحَابهم (٢)، ثُمَّ (٣) عَلم كلُّ أُناسٍ مَشربهم، وعَرَف كلُّ طَائفةٍ مذهَبهم.