وَفي (المحيط): ينبَغي للِقَاضِي أن يقضي بمَا في كِتَابِ اللهِ تعَالَى، وَينبَغي [٢١/ب] أن يَعرف مَا في كتاب اللهِ مِن الناسِخ وَالمنسُوخ، وَأن يَعرف المتشابه، وَمَا فيه اختِلاَف العُلماء لُيَرجح قول البَعضِ عَلى البَعضِ بِاجتهادِهِ، فإن لم يَجد في كِتابِ اللهِ، يقضِي بما جَاءَ عَن رَسُول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وَينَبغي أن يعَرف النَاسخ وَالمنَسوخ مِن الأخبار، فإن اختلف الأخبَار يَأخذ بَما هو الاشبَه، وَيميل اجتهَاده إلَيه، وَيَجبُ أن يعلم [المُتَواتِر وَالمشهُور،
_________________
(١) زيادة من (د).
(٢) ينظر لسمعاني، قواطع الأدلة: ٢/ ٣١١.
(٣) وقد جاءت الآية الكريمة في (د) محرفة.
(٤) لم أجد حديثًا بهذا اللفظ، ولكن الحديث الذي أخرجه البخاري عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». الصحيح، كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم: ٦/ ٢٦٧٦، رقم ٦٩١٩.
[ ١١٩ ]
وَمَا كَانَ مِن أخبَار الآحَاد، وَيَجبُ أن يَعلم] (١) مَراتب الروَاة، فإن مِنهمْ مَن عرفَ بالفِقهِ وَالعدالة كَالخلفاء الراشدينَ وَالعَبادِلة وَغيرهم، وَمنهم مَن يَعرف بَذلكَ، وَمنهُم مَن لم يَعرف بِطُول الصَّحبة.
وَإن كَانتَ حَادِثة لم يرد فيهَا شيء عَن رَسُول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يَقضِي فيها بما اجتمعَ علَيه الصحَابة، فإن كَانتَ الصحَابة فيها مختلفِينَ، يَجتَهد (٢) في ذلك وَيُرجح قَوِل بَعض عَلى البَعْضٍ إذا كان مِن أهل الاجتهاد، وَليسَ لَهُ أن يخالفهُم جَميعًا باختراع قَولٍ ثالث؛ لأنهم مَع اختِلافهم اتفقوا عَلى أن مَا عَدا القولينَ بَاطِل، وَكانَ الخَصّاف يَقول ذلَك، وَالصحيح مَا ذكرنَا، وَلاَ يفضل (٣) قول الجماعَة عَلى قَولِ الوَاحِد.
قَالَ الفِقيه أبُو جَعفَر: وَهذا عَلى أصلِ أبي حَنِيفة، أمَّا عَلى أصل محمد فيفضل (٤) قَول الجماعَةِ عَلى قول الوَاحِد، ثم إجماع الصحَابةِ [ينعقد بطريقين: أحدهما اتفاق كل الصحابة] (٥) عَلى حكم بأقوالهم، وَهذا متفقٌ عَليه، وَالثاني تنصِيص البَعِض وَسُكُوت البَاقين بأن اشتهر قول بَعض فقهائهمْ، وَبلغَ البَاقِينَ ذَلكَ فسَكتُوا وَلم ينكرُوا ذلكَ وَهذَا مَذهبنا، وَلكن هَذَا الإجمَاع في مَرتبة دُونَ الأول؛ لأن الأول مجمعٌ عَليه وَالثاني مُختلفٌ فيه، يَعني فالأول إجَماعٌ قَطعِي وَالثاني ظني، وَإن (٦) وجدَ مِن كلِّ الصحَابةِ اتفاقٌ عَلى حَكم الأوَحد، فإن خالَفهم فَعَلى قَولِ
_________________
(١) سقطت من (د).
(٢) في (م): (تجتهد).
(٣) في (د): (يفصل).
(٤) في (د): (فيفصل).
(٥) زيادة من (د).
(٦) في (د): (فإن).
[ ١٢٠ ]
الكرخي لاَ يثبت حكم الإجماع، وَهو قَول الشافعي (١).
وَالصحِيحُ عَندَنا أنهم إن (٢) سوغوا لَهُ الاجتهاد، لاَ (٣) ينعَقد الإجمَاعُ مَع مَخالفته، نحو خَلافِ ابن عَباس في زوجَينَ [٢٢/أ] وَأبوَين، قال: «للأم ثلث جميع (٤) المال» (٥)، وَإن لم يسوغُوا لَهُ الاجتهاد، بَل أنكَرُوا عَليه الإجمَاع بَدونَ قوله، نَحو خِلاَف ابن عَباس في ربَا النقد، فإن الصحَابَة لمَّا أنكروا عَليه ثبت الإجماع بَدونِ قَوله، حَتى لَوْ قَضَى قَاضٍ بَجواز بيَع الدرَاهم بالدرهمَين ينفذ قضاؤه، فإن جَاءَ حَديث وَاحد مِن الصحَابة، وَلم ينقل عَن (٦) غَيرهِ خِلاَف ذلكَ (٧).
فعن أبي حَنِيفة روَايَات، فِفي روَاية قَالَ: [أقلد مِنهم مِن كَانوا مِن القضَاة وَالمفتيّن (٨).
وَفي روَاية قالَ] (٩): «أقلدَ جمَيع الصحَابة إلا ثلاثة مِنهم: أنسَ بن مَالك
_________________
(١) ينظر أقوال العلماء في هذه المسألة عند الغزالي، المستصفى: ١/ ١٥٢؛ السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ٤.
(٢) (أنهم إن) سقطت من (د).
(٣) في (م): (ولا).
(٤) في (د): (جمع).
(٥) قال السرخسي: «ويختلفون أيضا في زوج وأبوين، فعلى قول عمر وعلي وابن مسعود وزيد ﵃ للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي والباقي للأب وهو قول جمهور الفقهاء، وعلى قول ابن عباس: للأم ثلث جميع المال والباقي للأب». المبسوط: ٢٩/ ١٤٦. وينظر للفائدة: المحلى: ٩/ ٢٦٠.
(٦) (عن) سقطت من (د).
(٧) ينظر تفاصيل هذه المسألة عند الآمدي، الإحكام: ١/ ٢٩٥.
(٨) أبو شامة المقدسي، مختصر المؤمل: ص ٦٣.
(٩) سقطت من (د).
[ ١٢١ ]
وَأبَا هريرَة وَسمرة بن جندب، أمَّا أنسَ فإنه بلغِني أنه اختلط عَقله في آخِر عمْرهِ (١)، وَكانَ يستفتي عَلقَمة (٢)، وَأنا لاَ أقلد عَلقمة، فَكيف أقلد مَن يستفتي عَلقمة؟ (٣) وَأمَّا أبَا هريرة فإنه (٤) لم يكنْ مِن أهل الفَتِوى، بَل كَانَ مِن الرواة فيمَا يروى، لاَ يتأمل في المعنَى، وَكانَ لاَ يعرف الناسِخ والمنسُوخ (٥)،
وَلأجلِ ذَلكَ حَجَرَ عَليه عُمر عَلى الفَتوى في آخِرِ عُمرِهِ (٦)، وَأمَّا سَمرة بن جندب فقَدَ بلغني عَنه أنهُ أمر
_________________
(١) لم أجد هذه الرواية بسند أو بدون سند في كتب الجرح والتعديل، بل ثبت عكس هذا من دعوة النبي - ﷺ - له كما روى الإمام أحمد وغيره أن أم سليم التمست له الدعاء من رسول الله - ﷺ -، قال أنس: «فما ترك يومئذ خيرًا من خير الدنيا ولا الآخرة إلا دعا لي به، ثم قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه، قال أنس: فأخبرتني ابنتي إني قد دفنت من صلبي بضعا وتسعين، وما أصبح في الأنصار رجل أكثر مني مالا».المسند: ٣/ ٢٤٨؛ الطبراني، المعجم الكبير: ١/ ٢٤٨؛ أبو نعيم حلية الأولياء: ٨/ ٢٦٧. وينظر أيضًا الإصابة: ١/ ١٢٧.
(٢) هو علقمة بن عبد الله بن مالك بن علقمة النخعي الكوفي، قال عنه الذهبي: فقيه الكوفة وعالمها الحافظ المجتهد الإمام أبو شبل، وفاته سنة ٦٢هـ. تاريخ بغداد: ١٢/ ٢٩٦؛ سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٣.
(٣) لم يكن علقمة من تلاميذ أنس، ولم يثبت لقائه له، إذ كان الأول يسكن الكوفة، والثاني يسكن البصرة، ولم يذكر ضمن شيوخه، فكيف يستفتيه؟!. ينظر تهذيب الكمال: ٢٠/ ٣٠١.
(٤) (فإنه) سقطت من (د).
(٥) في (د): (من المنسوخ) ..
(٦) هذه الرواية هي كسابقتها، فلم أجدها بسند أو بدون سند إلا ما أورده أبو شامة المقدسي، فقد ورد عن ابن عمر ما يناقضها، إذ أخرج الترمذي عنه أنه قال لأبي هريرة: «يا أبا هريرة: كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه».السنن: ٥/ ٦٨٤، رقم ٣٨٣٦؛ الإمام أحمد، المسند: ٢/ ٢، رقم ٤٤٥٣. وينظر الإصابة: ٧/ ٤٣٩.
[ ١٢٢ ]
شانٍ، وَالذَي بَلغَهُ عَنهُ أنه كَانَ يتَوسع في الأشربَةِ المُسكرة سِوَى الخمَر، وَكَانَ يتدَلك في الحمَّامِ بالغُمْرِ (١») فَلَمْ يقلدهم في فتواهُم لهذا (٢)، وَأمَّا فَيما روي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه (٣) كَانَ يأخُذ بِروَايتهم.
وَفي روَايةٍ قال: أقلد جَميع الصحَابة وَلاَ أستجيز خلاَفهم، وَهوَ الظاهِر (٤) في المَذهَبِ (٥).
وَإذا اجتمَعت الصَحابة عَلَى حُكم وَخالَفَهم وَاحِد مِن التابعِينَ - إن كَانَ المخالف مِمن لم يدرك عهد الصحَابة - لاَ يعتبر خِلافه حَتى لو قَضَى القَاضِي بِقولِهِ - بخِلافِ إجماع الصحَابة - كَانَ بَاطِلًا، وَإن كَانَ مِمن أدرك عَهد الصحَابة، وَزاحمَهُم في الفَتوى وسَوغُوا لَهُ الاجتهاد: كشريح (٦) وَالنخعي (٧)
_________________
(١) في حاشية (د): (الغمر: بالضم: الزعفران على ما في القاموس). قلت: وهو كما قال. لسان العرب: ٥/ ٣٢. وهذه الرواية عن سمرة بن جندب لا أثر لها في كتب الحديث أو الفقه أو الرجال.
(٢) هذه الرواية نقلها أبو شامة المقدسي (ت ٦٦٥هـ) عن محمد بن الحسن بلا سند. (مختصر المؤمل: ص ٦٣)، وقد تتبعت أصول هذه الرواية فلم أجد لها ذكرًا أو سندًا في كتب الفقه أو الحديث أو الرجال، وعلامات الوضع لائحة عليها.
(٣) في (د): (أنه).
(٤) في (م): (ظاهر).
(٥) وهذه الرواية هي الراجحة بنظرنا عن أبي حنيفة، إذ لم يستثنِ أحدًا من الصحابة في ذلك.
(٦) في (م): (وكشريح). هو أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن جهم بن سنان الكوفي، القاضي الفقيه، لم تصح له صحبة، وفاته سنة ٧٨هـ. سير أعلام النبلاء: ٤/ ١٠٠؛ تهذيب التهذيب: ٤/ ٢٨٧.
(٧) أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي، الفقيه الحافظ، حديثه في الكتب الستة، وفاته سنة ٩٦هـ. الثقات: ٤/ ٨؛ تهذيب التهذيب: ١/ ١٥٥.
[ ١٢٣ ]