تنبيه -يشهد لصحة ما أشار إليه الشافعي ما ذكره بعض أئمة المعقولات عند قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". حيث قال هذا دليل إقناعي، وذلك لأنه رام تخريجه على قواعد الاستدلال المنطقي. والقرآن ورد على مذهب العرب واصطلاحهم في الاحتجاج، وقد أطبق أئمة البلاغة على إيراد هذه الآية في النوع البديعي المسمي عند المتأخرين بالمذهب الكلامي وبالاحتجاج النظري وأطبق العرب الذين نزل عليهم
[ ٥٣ ]
القرآن، فمن بعدهم من المسلمين، على أن هذه الآية من أعظم الأدلة على الوحدانية. فإذا استحيا الإنسان من الله، لم يقل فيها مثل هذا الكلام، وليس غرضي بهذا الحط على الرجل المذكور، لكن بيان أن المنطق لا يجر إلى خير، وأن من لاحظه كان بعيدًا عن إدراك المقاصد الشرعية، فإن بينه وبين الشرعيات منافرة.
ونظير ذلك ما وقع للرجل المذكور أيضًا عند قوله تعالى ﴿يسألونك عن الأهلة ﴾ الآية. قال: سألوا عن الهلال لم يبدو دقيقًا، ثم متزايد حتى يمتلئ، فأجيبوا ببيان حكمة ذلك، وعدل عن جواب ما سألوا عنه، لأنهم ليسوا ممن يطلعون على دقائق الهيئة. بسهولة. وهذا الكلام منه خطأ صراح.
أما أولا، فلأن أسباب النزول دل على أنهم سألوا عن الحكمة لا عن ما ذكره ..
أما ثانيًا، فلا يليق أن يظن بالصحابة -﵃الذين هم أدق فهما من جميع العجم ومن كل الأمة، أنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق الهيئة بسهولة وقد اطلع عليها آحاد العجم المتأخرين.
وأما الثالثًا: فلم يسكن في القدرة الإلهية توصيل ذلك إلى أذهانهم بعبارة يفهمونها.
وأما رابعًا: فقد اطلع الصحابة -رضوان الله عليهم -على دقائق جمة من الفقه، وعويص الفرائض وأعمال القلوب، فأي شيء علم الهيئة بالنسبة إلى ذلك، هو أخس وأحقر، لو كان له أصل معتبر، فكيف وأكثره
[ ٥٤ ]
فاسد لا دليل عليه، بل قامت الأدلة من الأحاديث والآنا، على خلافه، كما أفردته في تأليف مستقل. والذي جرأ صاحب هذه المقالة عليها وعلى مثلها الإنهماك في العلوم الفلسفية والإعجاب بالدقائق العقلية، حتى ظن أنه لا يسهل إلا عليه وعلى نظرائه واستبعد أن يصل إليها أحد بسهولة، حتى الصحابة، فإنا الله وإنا إليه راجعون.
وقد سأل القطب الرازي الشيخ نقي الدين السبكي عن حديث "كل مولود يولد على الفطرة" وأورد عليه تشكيكات منطقية، فأجاب الشيخ تقي الدين بأن المحمول فيه مساو للموضوع لا أخص منه" (واستدل) على مساواته بنور إلهي من المؤيد بالنبوة.
ثم ساق كلامً طويلا وقال في آخره: هذا لا يمكن حمل الحديث عليه لكن لو جاء في كلام غير النبي -ﷺأمكن حمله، فأعاد له القطب الرازي الكلام، وقال فيه: إنك نفيت إمكان حمل الحديث عليه وأثبت إمكان حمل كلام آخر عليه، فما الفرق؟ فأجابه السبكي بأن قائل هذا إما مجنون وإما مطبوع قلبه. حتى لا يفرق بين كلام النبوة وغيره.