اعلم أن الله تعالى أمر خلقه بلزوم الجماعة، ونهاهم عن الفرقة وندبهم إلى الإتباع، وحثهم عليه، ذم الابتداع، وأوعدهم عليه، وذلك بين في كتابه وسنة رسوله، قال تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ وقال ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ وقال ﴿وأن هذا صراطي مستقيًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ وأمر تعالى بإتباع النبيﷺ- في آيات من كتابه. وقد وردت الأحاديث حاثة على لزوم سنته واجتناب كل بدعة. ثم سرد جملة من الأحاديث الواردة في ذلك، وغالبها قد تقدم فيما لخص من ذم الكلام للهروي. ثم سرد جملة من الآثار عن الصحابة والتابعين في ذم البدع والمحدثات.
ثم قال: وإذا ثبت أنا أمرنا بالإتباع والتمسك بأثر النبيﷺ- ولزوم ما شرعه لنا من الدين والسنة، ولا طريق لنا إلى الوصول
[ ١٩٩ ]
إلى هذا إلا بالنقل والحديث بمتابعة الأخبار التي رواها الثقات والعدول من هذه الأمة عن رسول اللهﷺ-، وعن الصحابة من بعده، فنشرح الآن قول أهل السنة: إن طريق الدين هو: السمع والأثر. وإن طريق العقل والرجوع إليه، وبناء السمعيات عليه مذموم في الشرع ومنهي عنه، ونذكر مقام العقل في الشرع والقدر الذي أمر الشرع باستعماله وحرم مجاوزته.
ثم قال: وقد سلك أهل الكلام في رد الناس من الأحاديث إلى المعقولات طريقًا شبهوا بها على عامة الناس. قالوا: إن أمر الدين أمر لابد فيه من وقوع العلم ليصح الاعتقاد فيه، فإن المصيب في ذلك عند اختلاف المختلفين واحد. والمخالف في أمر من أمور الدين الذي مرجعه إلى الاعتقاد إما كافر أو مبتدع. وما كان أمر على هذا الوجه فلابد في ثبوته من طريق توجب العلم حتى لا يتداخل من حصل له العلم بذلك شبهة وشك بوجه من الوجوه والأخبار التي يرويها أهل الحديث في أمور الدين أخبار آحاد، وهي غير موجبة للعلم وإنما توجب الأعمال في الأحكام خاصة، وإذا سقط الرجوع إلى الأخبار فلابد من الرجوع إلى دليل العقل، وما يوجبه النظر والاعتبار. فهذا من أعظم شبههم في الإعراض عن الأحاديث والآثار، وسيأتي الجواب عنها. وقد قال عمر بن الخطاب: إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله.