في تحريم المنطق
في ذلك قال أبو الحسن بن مهدي: حدثنا محمد بن هارون ثنا هميم بن
[ ٤٧ ]
همام ثنا حرملة قال سمعت الشافعي يقول: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتزكهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطيس. أورد هذا النص من هذا الطريق قاضى المسلمين الحافظ عز الدين عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر من الدين بن جماعة في تذكرته.
وأشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفى الرؤية وغير ذلك من البدع، وأن سببها الجهل بالعربية والبلاغة الموضوعة فيها من المعاني والبيان والبديع الجامع لجميع ذلك قوله لسان العرب الجاري عليه نصوص القرآن والسنة، وتخريج ما ورد فيها على لسان يونان ومنطق أرسطاطاليس الذي هو في حيز ولسان العرب في حيز، ولم ينزل القرآن ولا أتت السنة إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والتخاطب والإحتجاج والاستدلال لا على مصطلح يونان، ولكل قوم لغة واصطلاح. وقد الق تعالى
﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾.
فمن عدل عن لسان الشرع إلى لسان غيره وخرج الوارد من نصوص الشرع عليه جهل وضل. ولم يصب القصد. ولهذا كثيرًا من أهل المنطق إذا نكلم في مسألة فقهية، وأراد تخريجها على قواعد علمه. أخطأ ولم يصب ما قالته الفقهاء ولا جرى على قواعدهم. وقد علم الناس ما كان يقع بين
[ ٤٨ ]
شيخنا المذكور في الخطبة وبين فقهاء الحنفية من كثرة التنازع والاختلاف في الفتاوى الفقهية، ونسبتهم إياه إلى أنها غير جارحة على قوانين الفقه، وما ذاك إلا لكونه كان يخرجها على قواعد الإستدلال المنطقي. وللشريعة قواعد أخرى لا يخرج الفقه إلا عليها. فمن تركها وخرج على غيرها لم يدرك غرض الفقه، والشيخ -﵀ -، أستاذي ونعله تاج رأسي، ولكن هذا هو الحق الذي لابد منه. وقد أراد مني مرات أن أوافقه في فتاوى نتعلق بالأوقاف ولم أوافقه على شيء منها.
والغرض بهذا الكلام شرح قول الشافعي -﵁ -، وأنه من أراد تخريج القرآن والسنة والشريعة على مقتضى قواعد المنطق، ولم يصب غرض الشرع ألبتة، فإن كان في الفروع نسب إلى الخطأ، وإن كان في الأصول نسب إلى البدعة وهذا أعظم دليل على تحريم هذا الفن فإنه سبب للأحداث والابتداع ومخالفة السنة ومخالفة غرض الشارع وكفى بهذا دليلا وهو مستنبط من كلام الشافعي -﵁ -.
ونظيره تحريم النظر في متشابه القرآن خوف الزيغ والفتنة أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: "تلا رسول الله -ﷺهذه الآية" هو أنزل عليك الكتاب إلى قوله أولوا الألباب قال: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم﴾.
وأخرج الطبراني في الكبير عن أبى مالك الأشعري أنه سمع رسول الله -ﷺيقول "لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا
[ ٤٩ ]
فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾.