"ذكر كلام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في ذلك" قاله في كتابه التفرقة بين الإيمان والزندقة.
[ ٢٣٧ ]
"فصل" من أشد الناس غلوًا وإسرافًا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين. وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتها التي حررناها، فهو كافر. فهؤلاء ضيقوا رحمة الله على عباده أولًا. وجعلوا الجنة وقفًا على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانيًا. إذ ظهر رسول الله "ﷺ" وعصر الصحابة حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشتغلين بعبادة الوثن، ولم يشتغلوا بتعليم الدليل. ولو اشتغلوا بها لم يفهموها ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد لا: بل الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده عطية وهدية من عنده؛ تارة بتنبيه من الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارة يسبب رؤيا في المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينة حال. فقد جاء أعرابي إلى النبي ﵇ جاحدًا له منكرًا، فلما وقع بصره على طلعته البهية، فرآها تتلألأ منها أنوار النبوة قال: والله ما هذا بوجه كذاب. وسأل أن يعرض عليه الإسلام وجاء ﵇ آخر فقال: أنشدك الله: الله بعثك نبيًا؟ فقال: أي والله، الله بعثني نبيًا، فصدقه بيمينه وأسلم. وهذا وأمثاله مما لا حصى ولم يشتغل واحد منهم بالكلام ويعلم الأدلة بل كان يبدو نور الإيمان أولًا بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء. ثم لا تزال تزداد إشراقًا بمشاهدة
[ ٢٣٨ ]
تلك الأحوال العظيمة وبتلاوة القرآن وتصفية القلب. فليت شعري متى نقل عن الرسول ﵇ وعن الصحابة إحضار أعرابي أسلم وقولهم له: الدليل على أن العالم حادث أن لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وان الله تعالى عالم بعلم وقادر بقدرة زائد على الذات لا هو ولا هو غيره، إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين.
ولست أقول لم تجر هذه الألفاظ، بل لم يجر أيضًا ما معناه معنى هذه الألفاظ، بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف، يسلمون تحت ظلال السيوف، وجماعة من الأساري يسلمون واحدًا واحدًا بعد طول الزمان أو على القرب. فكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم أو غيرها.
نعم لست أنكر أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس ولكن ليس ذلك بمقصور عليه وهو أيضًا نادر بل لا ينفع إلا الكلام الجاري في معر ض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن. فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين فإنه يشعر نفوس المستفهمين بأن فيه صنعة جدل يعجز عنه العامي لا لكونه حقًا في نفسه، وبه يكون ذلك سببًا لرسوخ العبادة في قلبه: ولذلك لا يرى مجلس مناظرة المتكلمين ولا الفقهاء يكشف عن واحد انتقل من الاعتزال إلى غيره، ولا عن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة، ولا على العكس. وتجرى هذه الانتقالات بأسباب آخر، حتى في القتال بالسيف. ولذلك، لم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه
[ ٢٣٩ ]
المجادلات - بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال.
وإذا تركنا المداهنة، ومراقبة الجوانب، صرحنا بأتن الخوض في الكلام حرام لكثرة الآفات. إلا لأحد شخصين: رجل وقعت له شبهة، ليست نزول بكلام قريب وعظى عن قلبه، ولا يخبر نقلي، فيجوز أن يكون القول المرتب رافعًا شبهة تدخل له في مرضه فليستعمل معه ويحرس عنه سمع الصحيح الذي ليس به ذلك المرض. فإنه يوشك أن يحرك في نفسه إشكالًا، ويثير له شبهة تمرضه، وتستنزله عن اعتقاده المجزوم الصحيح، والثاني: شخص كامل العقل راسخ القدم في الدين، ثابت الإيمان بأنوار النفس يريد أن يحصل هذه الصنعة ليداوي بها مريضًا إذا وقعت له شبهة. وليفحم ب ها مبتدعًا إذا - نبغ الله - وليحرس ب هـ معتقده، إذا قصد مبتدع إغواءه، فتعلم ذلك - لهذا الغرض - من فروض الكفايات، وتعلم قدر ما يزيل الشك والشبهة في حق المشكك، فرض عين إذا لم يكن إعادة اعتقاده المحرم بطريق آخر سواه. والحق الصريح أن كل منه اعتقد ما جاء به الرسول "ﷺ" واشتمل عليه القرآن اعتقادًا حتميًا فهو مؤمن. وإن لمي عرف أدلته، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدًا، مشرف على التزلزل
[ ٢٤٠ ]
بكل شبهة، بل الإيمان الراسخ، إيمان العوام، الحاصل في قلوبهم من الصبي بتواتر السماع والحاصل بعد البلوغ بقران لا يمكن التعبير عنها، وتمام تأكده بملازمة العبادة والذكر. فإن تأدت به العبادة إلى حقيقة التقوى وتطهير الباطن عن كدورات الدنيا وملازمة ذكر الله تعالى دائمًا، تجلت له أنوار المعرفة وصارت الأمور التي كان قد أخذها تقليدًا عنده كالمعاينة والمشاهدة. وذلك حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال عقدة الاعتقادات وانشراح الصدر بنور الله ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ كما سئل رسول الله "ﷺ" عن معنى شرح الصدر فقال: نور يقذف في قلب المؤمن. فقيل وما علامته؟ فقال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود. فبهذا يعلم أن المتكلم المقبل على الدنيا، المتهالك عليها، غير مدرك حقيقة المعرفة ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعًا.