ذكر ما وقفت عليه من كلام الحافظ أبي بكر الآجري في ذلك قال في كتابه «الشريعة» (باب) ذكر ذم الجدال والخصومات في الدين. وأورد فيه جملة من الأحاديث، والآثار السابقة. ثم قال: لما سمع هذا أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، لم يماروا في الدين، ولم يجادلوا وحذروا المسلمين المراء والجدال وأمروهم بالأخذ بالسنن وبما كان عليه الصحابة، وهذا طريق أهل الحق ممن وفقه الله.
[ ١٦٨ ]
وأخرج عن معن بن عيسى قال: جاء رجل متهم بالإرجاء إلى إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني شيئًا أكلمك به وأحاجك، قال: فإن غلبتني؟ قال: اتبعني. قال فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال نتبعه، فقال مالك: يا عبد الله بعث الله محمدًاﷺ- بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وأخرج عن هشام بن حسان قال: جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد تعالى حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أنت أضللت دينك فالتمسه.
وأخرج عن عبد الكريم الجزري قال: ما خاصم ورع قط في الدين، وأخرج عن وهب بن منبه قال: دع المراء والجدال فإنك بين رجلين: رجل هو أعلم منك فكيف تماري وتجادل من هو أعلم منك، ورجل أنت أعلم منه، فكيف تماري وتجادل من أنت أعلم منه ولا يطيعك. ثم قال الآجري: فإن قال قائل: فإن جاء رجل قد علمه الله علمًا، فجاءه رجل يسأله مسألة في الدين ينازعه فيها ويخاصمه، ترى له أن يناظره حتى يثبت عليه الحجة، ويرد عليه قوله؟ قيل له: هذا الذي نهينا عنه وهذا الذي حذرناه من تقدم من أئمة المسلمين، فإن قال: فماذا يصنع؟ قيل له: إن كان الذي
[ ١٦٩ ]
يسألك مسألة مسترشدًا إلى طريق الحق لا مناظرًا، فأرشده بألطف ما يكون من البيان بالعلم من الكتاب والسنة وقول الصحاةبة وقول أئمة المسلمين، وإن كان يريد مناظرتك ومجادلتك. فهذا الذي كره لك العلماء فلا تناظره واحذره على دينك كما قال من تقدم من أئمة المسلمين إن كنت لهم متبعًا، فإن قال فندعم يتكلمون بالباطل ونسكت عنهم، قيل له سكوتك عنهم وهجرتك لما كلموا به أشد عليهم من مناظرتك لهم. كذا قال من تقدم من السلف الصالح من علماء المسلمين.
ثم أخرج عن أيوب السختياني أنه قال: لست براد عليهم أشد من السكوت، وأخرج عن ابن عباس قال: لا نجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب.
ثم قال الآجري: ألم تسمع إلى قول أبي قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم.
أو لم تسمع إلى قول الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه.
ألم تسمع إلى قول عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل، ثم قال: بلغني عن المهتدي لله أنه قال: ما قطع بين- يعني الواثق- إلا شيخًا جيء به من المصيصة قال له: يا أمير المؤمنين أخبرني عن هذا الذي تدعو الناس إليه أشيء دعا إليه رسول اللهﷺ-؟
[ ١٧٠ ]
قال لا، قال: فشيء دعا إليه أبو بكر الصديق؟ قال لا، قال فشيء دعا إليه عمر بن الخطاب بعدهما؟ قال لا. قال فشيء دعا إليه عثمان بعدهم؟ قال لا؟ . قال فشيء دعا إليه علي بن أبي طالب بعدهم؟ قال لا قال الشيخ: فشيء لم يدع إليه رسول اللهﷺ- ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي تدعو أنت الناس إليه، ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه، فإن قلت علموه: وسكتوا عنه، وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنا فيالكع ابن لكع تجهل النبيﷺ- والخلفاء الراشدين شيئا تعلمه أنت وأصحابك؟ ! قال المهتدي: فرأيت أبي وثب قائمًا ودخل وهو يضحك. ثم جعل يقول: صدق ليس يخلو إما أن نقول علموه أو جهلوه فإن قلنا علموه وسكتوا عنه وسعنا من السكوت ما وسع القوم، وإن قلنا جهلوه فكيف يجهل النبيﷺ- وأصحابه شيئا نعلمه نحن وأصحابنا. ثم قال: اعطوا هذا الشيخ نفقة وأخرجوه عنا.
ثم قال الآجري: وبعد هذا فنأمر بحفظ السنن عن رسول اللهﷺ- وأصحابه والتباعين لهم بإحسان وقول أئمة المسلمين مثل مالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل والقاسم بن سلام، ومن كان على طريقة هؤلاء من العلماء، وننبذ ما سواهم ولا نناظر ولا نجادل ولا نخاصم. وإذا لقينا صاحب بدعة في طريق أخذنا في طريق غيره، وإذا حضرنا مجلسًا نحن فيه قمنا منه هكذا أدبنا من مضى من سلفنا، ثم أخرج من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في غيره.
[ ١٧١ ]
قال: «باب» تحذير النبيﷺ- أمته الذين يجادلون بمتشابه القرآن وعقوبة الإمام لمن يجادل فيه وأورد فيه حديث عائشة وقصة صبيغ. ثم قال لما رآه عمر يسأل عن متشابه القرآن علم أنه مفتون قد شغل نفسه بما لا يعود عليه نفعه، وعلم أن اشتغاله بطلب علم الواجبات من الحلال والحرام وطلب علم سنن رسول اللهﷺ- أولى به.
ثم قال «باب» ذكر هجرة أهل البدع والأهواء: ينبغي لكل من تمسك بالسنة أن يهجر جميع أهل الأهواء من الخوارج والقدرية والمرجئة والجهمية والمعتزلة والرافضية والناصبة وكل من نسبه أئمة المسلمين إلى أنه مبتدع بدعة ضلالة، فلا ينبغي أن يكلمه ولا يسلم عليه ولا يجالس ولا يصلى خلفه ولا يزوج، ولا يتزوج إليه ولا يشارك ولا يعامل ولا يناظر ولا يجادل بل يذلك بالهوان له وإذا لقيته في طريق أخذت في غيرها إن أمكنك.
فإن قال قائل فلم لا أناظره وأجادله وأرد عليه قوله؟ قيل له لا يؤمن عليك أن تناظره وتسمع منه كلامًا يفسد عليك قلبك ويخدعك بباطله الذي زين له الشيطان فتهلك أنت، وهذا الذي ذكرته لك قول من تقدم من أئمة المسلمين وموافق لسنة رسول اللهﷺ-. ثم أورد جملة من الأحاديث والآثار السابقة. ثم قال:
«باب» عقوبة الإمام والأمير لأهل الأهواء: ينبغي لإمام المسلمين ولأمرائه في كل بلد إذا صح عنده مذهب رجل من أهل الأهواء ممن قد أظهره أن يعاقبه العقوبة الشديد، فمن استحق منهم أن يقتله قتله ومن
[ ١٧٢ ]
(استحق) أن يضربه ويحبسه وينفيه فعل به ذلك، كما جلد عمر بن الخطاب صبيغًا ونفاه وحرمه عطاءه وأمر الناس بهجرته وحرق علي بن أبي طالب الزنادقة وقال:
لما سمعت القول قولا منكرًا *** أججت ناري ودعوت قنيرا
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة في القدرية: أن استتبهم فإن تابوا وإلا فاضرب أعناقهم. وضرب هشام بن عبد الملك عنق غيلان وصلبه ولم تزل الأمراء بعدهم في كل زمان يعاقبون أهل الأهواء على حسب ما يرون ولا ينكره العلماء. ثم أخرج عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللهﷺ- إذا حدث في أمتي البدع فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقيل للوليد بن مسلم أحد رواة الحديث: ما إظهار العلم؟ قال إظهار السنة له.
هذا ما لخصته من كتاب الآجري، وهو الإمام أبو بكر محمد بن الحسين البغدادي الحافظ صاحب التصانيف. مات بمكة في الحرم سنة ستين وثلاثمائة.