ثم قال ونذكر الآن ما ورد عن الأئمة في ذم الكلام، فذكر طائفة مما تقدم عن الأئمة مخرجًا من ذم الكلام للهروي. ومما لم يتقدم ما أسند عن سهيل بن نعيم قال: قال الشافعي: كل من تكلم بكلام في الدين أو في شيء
[ ٢٠٠ ]
من هذه الأهواء ليس فيه إمام متقدم من النبيﷺ- وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا، وقد قال النبيﷺ- «من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا في الإسلام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا». وأسند من طريق حرملة قال سمعت الشافعي يقول: إياكم والنظر في الكلام فإن رجلًا لو سئل عن مسألة في الفقه، فأخطأ فيها، أو سئل عن رجل قتل رجلًا فقال ديته بيضة كان أكثر شيء أن يضحك منه، ولو سئل عن مسألة في الكلام فأخطأ فيها نسب إلى البدعة.
قال: فهذا كلام الشافعي في ذم الكلام والحث على السنة، وهو الإمام الذي لا يجاري، والفحل الذي لا يقاوم. فلو جاز للرجوع إليه، وطلب الدين من طريقه لكان بالترغيب فيه أولى من الزجر عنه، وبالندب إليه أولى من النهي عنه. فلا ينبغي لأحد أن ينصر مذهبه في الفروع ثم يرغب عن طريقته في الأصول.
وروى عن قبيصة قال: كان سفيان الثوري يبغض أهل الأهواء وينهى عن مجالسهم أشد النهي ويقول: عليكم بالأثر وإياكم والكلام في ذات الله، وكان أحمد بن حنبل يقول: أئمة الكلام زنادقة.
ثم ساق جملة من كلام السلف في النهي عن النظر في الكلام وقد أيد هذا كله الحديث الذي حدثنا أبو صالح فذكر بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله».
ثم قال: وإنما ترد البدعة بالأثر لا ببدعة مثلها. فإنه روى عن عبد الرحمن ابن مهدي الإمام المقدم قال إنما يرد على أهل البدع بآثار رسول الله- صلى الله
[ ٢٠١ ]
عليه وسلم- وآثار الصالحين فأما من رد عليهم بالمعقول فقد رد باطلًا بباطل.
ثم قال فهؤلاء الأئمة هم المرجوع إليهم في أمر الدين وبيان الشرع، ومن سلك طريقًا في الإسلام بعدهم فإياهم يتبع، وبهم يقتدى، وموافقتهم تتحرى، فلا يجوز لمسلم أن يظن بهم ظن السوء وأنهم قالوا ذلك عن جهل وقلة علم وخبرة في الدين وما هذا إلا من الغل الذي أمر الله بالاستعاذة منه فقال ﴿ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا﴾ فتبين لنا أن الطريق عند الأئمة الهادية إتباع السلف والاقتداء بهم دون الرجوع إلى الآراء. ومن هنا قال بعضهم: العلم علمان علم نبوي، وعلم نظري، والعلم النظري محتاج إلى العلم النبوي، لأن العلم النبوي جاء من الله، وهو مقرون بالصواب على كل حال والعلم النظري ما يستنبط، ويجوز أن يكون صوابًا، ويجوز أن يكون خطًا. ومثال ذلك ما قيل الماء ماءان، ماء نزل من السماء، وماء نبع من الأرض، فالماء النازل من السماء على طعم واحد من اللذة والطيب وعلى لون واحد من الصفاء والنقاء وعلى جوهر واحد من الطهارة والنظافة، كذلك العلم النازل من السماء كالوحي والماء النابع من الأرض، فعلى أنواع منه صاف طاهر على موافقة وحي الله، ومنه خبيث كدر لمخالفته وحي الله.
وقال بعضهم: الحديث أصل والرأي فرع، ولا يجوز أن يكون الأصل والفرع سواء، ولا حالهما في الرتبة والتقدمة واحدة، ألا ترى إلى قولهﷺ- لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن بم تحكم؟ قال بكتاب الله. قال فإن لم تجد. قال بسنة رسول الله قال، فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي.
[ ٢٠٢ ]
قال: الحمد الله الذي وفق رسول الله، فكان المصير إلى الحديث، بمنزلة الماء في الطهارات، والقياس والرأي بمنزلة التراب، وإنما يصار إلى التراب عند عدم الماء، . كذلك لا يصار إلى الرأي ألا عند عدم الحديث. فكان مثل آثر الرأي والقياس وقدمهما على الحديث والأثر مثل من يعدل عن الطهارة بالماء في وقت السعة ويؤثر التيمم بالتراب الذي وضع للضرورة والعدم. ولقد أحسن سعيد بن حميد حين يقول:
فإنك حين تطرحني لقوم هم عدم وفي صور الوجود
كمن هو تارك ماء طهورًا وراض بالتيمم بالصعيد
وأنشدوا أيضًا:
دين النبي محمد آثار نعم المطية للفتى الأخبار
لا تغفلن عن الحديث وأهله فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما غلط الفنى سبل الهدى والشمس بازغة لها أنوار
وأنشدوا أيضًا:
أهل الكلام وأهل الرأي قد جهلوا علم الحديث الذي ينجو به الرجل
لو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا
وأنشدوا أيضًا:
أهل الكلام دعونا من تعسفكم كم تبتغون لدين الله تبديلًا
ما أحدث الناس في أديانهم حدثا إلا جعلتم له وجهًا وتأويلًا
ولأبي بكر بن أبي داود السجستاني:
[ ٢٠٣ ]
تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تك بدعيًا لعك تفلح
ولذا بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح
ودع عنتك آراء الرجال وقولهم فقول رسول الله أزكى وأشرح
وأنشد أيضًا:
خذ ما أتاك به الأخبار من أثر شبهًا بشبه وأمثالًا بأمثال
ولا تميلن يا هذا إلى بدع تضل أصحابها بالقيل والقال
ثم قال: