فمن مجازفات الأستاذ، قال الخطيب (٧/ ١٧٦): "كان عابدًا زاهدًا ثقة صادقًا متقنًا ضابطًا". [ص ٧٥] وأسند عن ابن المنادي: "كان ذا فضل وعبادة وزهد، انتفع به خلقٌ كثير في الحديث". وعنه أيضًا: "كان من الصالحين، أكثر الناسُ عنه لثقته وصلاحه، بلغ تسعين سنة غير يسير".
وبلوغ التسعين لا يستلزم اختلال الضبط، كما مرّ في ترجمة أنس (^١)، ويتأكد ذلك في هؤلاء المتأخرين؛ لأن اعتمادهم على أصول مثبتة منقَّحة محفوظة، لا على الحفظ، والله الموفق.
فهذه ثمانية من فروع مغالطات الأستاذ ومجازفاته، وبقي بعض أمثلتها، وسترى ذلك في "التنكيل"، وكذلك بقيت فروع أخرى ستراها في "التنكيل" إن شاء الله تعالى.
منها: أنه قد يكون في الرجل كلام يسير لا يضر، فيزعمه الأستاذ جرحًا تُردّ به الرواية، كما قال في الحسن بن علي الحُلْواني، والحسن بن أبي بكر، وعثمان بن أحمد بن السماك، ومحمد بن عباس بن حَيّويه (^٢).
ومنها: أن الأستاذ قد يحكي كلامًا في الرجل مع أنه لا يضره بالنسبة إلى الموضع الذي يتكلّم عليه، كأن يروي الخطيب عن رجل كلامًا قاله برأيه، فيحكي الأستاذ في ذلك الرجل كلامًا حاصله أنه كان سيء الحفظ، كما قال في إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري، ويوسف بن أسباط، وسفيان بن وكيع، وقيس بن الربيع، ومؤمَّل بن إسماعيل، ومحمد بن
_________________
(١) (ص ٧٧).
(٢) انظر تراجمهم في "التنكيل" على التوالي (رقم ٧٧، ٧٣، ١٥٥، ٢٠٩).
[ ٩ / ٨٧ ]
ميمون أبي حمزة، ومحمد بن جعفر بن الهيثم (^١).
ومنها: أن الخطيب كثيرًا ما ينقل بعض الروايات عن بعض المصنفات المشهورة، ولكنه على عادة أقرانه لا يصرِّح بالنقل، بل يرويها بسنده الذي سمع به ذاك الكتاب، فيتكلّف الأستاذ الكلام في بعض مَنْ بين الخطيب وبين مؤلِّف الكتاب، مع أن هذا لا يقدح في الرواية، إذ معظم الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة؛ [ص ٧٦] ككلامه في عبد الله بن جعفر بن درستويه، والحسن بن الحسين بن دوما، ومحمد بن أحمد رزق، وأحمد بن كامل (^٢).
ومنها: أن الأستاذ يعمد إلى كلامٍ قد ردّه الأئمة، فيتجاهل الأستاذ ردَّهم ويحتج بذلك الكلام، ككلامه في عليّ بن عبد الله بن المديني، وبشر بن السَّرَي، وأحمد بن صالح، ومحمد بن بشَّار، وإسماعيل بن إبراهيم أبي معمر الهذلي، وأبي مُسْهِر عبد الأعلى بن مسهر، وعبد الله بن محمد بن أبي الأسود، ومحمد بن عبد الله بن عمّار (^٣).
ومنها: أنه يعمد إلى ما يعلم أنه لا يُعدّ جرحًا البتة، فيعتدّ به ويهوِّل، مثل كلامه في عبد الله بن الزّبير الحميدي، والحسن بن أبي بكر بن شاذان، ورجاء بن السندي (^٤).
_________________
(١) انظر "التنكيل" (رقم ٨، ٢٦٨، ١٠٠، ١٨٢، ٢٥٣، ٢٣٦، ١٩٨).
(٢) انظر تراجمهم في "التنكيل" (رقم ١١٩، ٧٤، ١٨٧، ٢٩).
(٣) انظر "التنكيل" (رقم ١٦٣، ٥٨، ٢٠، ١٩٥، ٤٧، ١٣٧، ١٢٨، ٢١٤).
(٤) انظر "التنكيل" (رقم ١٢١، ٧٣، ٩٢).
[ ٩ / ٨٨ ]
ومنها: أنه يتهم بعض الحفاظ الثقات بتُهَم لا أصل لها، كما قاله في الحميدي، وأحمد بن عليّ الأبّار، إلى غير ذلك (^١). وسترى إن شاء الله تعالى هذا كلَّه وغيره في "التنكيل".
وحسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه.
_________________
(١) انظر "التنكيل" (رقم ١٢١، ٢٧).
[ ٩ / ٨٩ ]