_________________
(١) ١ فصل رسالتي "طليعة التنكيل" قدّمتها بين يدي كتابي "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، رددتُ به على الأستاذ أشياء تعرَّض لها في كتابه "تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب". [ص ٣] والذي سمّاه "أكاذيب"، ويسميه في كلامه "المثالب" عامته كلمات رُويت عن بعض المتقدمين، يظهر منها غضٌّ من أبي حنيفة، فعَمَد الأستاذ إلى مصحّح "تاريخ الخطيب"، فأنحى عليه، وعلى أبي الفضل بن خيرون أحد رواة التاريخ عن الخطيب ، فحطَّ عليه، وعلى الخطيب، فحاول إسقاطه، ثم يقتصّ في كلّ إسنادٍ رجالَ الإسناد، فلا يكاد يدع منهم أحدًا إلا تكلّم فيه، ثم يساور قائل الكلمة، ويتعرَّض في الأثناء لمن يعْلَمه أثنى على واحد من أولئك الذين يتكلم فيهم الأستاذ، وربما يتعدَّى إلى غير هؤلاء، كما فعل في كلامه في ابن أبي حاتم صاحب كتاب "الجرح والتعديل"، فعَرَض لحرب الكرماني صاحب الإمام أحمد بن حنبل بِعِلَّة أن ابن أبي حاتم أخذ عنه في الاعتقاد زعم الأستاذ ! ولا يكاد يترك من هؤلاء إلا من كان حنفيًّا، فإنه يحاول أن يبرِّئه من تلك الرواية. وأصل المقصود من كتابي "التنكيل" إنما هو تعقُّب كلام الأستاذ في
[ ٩ / ٩٥ ]
الرجال، فبينت ثقةَ كثيرٍ ممن حاول جرحهم، وجَرْحَ أفراد حاول توثيقهم، ووافقتُه في مَن رأيت كلامه فيه في محلِّه، ورتبت كتابي كما في الطليعة (ص ١٠ - ١١) (^١) على أربعة أقسام:
الأول: في تحرير القواعد التي خلط فيها الأستاذ، وعامتها في أحكام الجرح والتعديل.
الثاني: في التراجم مرتبًا على حروف المعجم، وهذا هو أصل المقصود.
الثالث: في الفقهيات، وهذا ليس مما ينكر الأستاذ.
الرابع: في الاعتقاديات. والذي دعا إليه: أن الأستاذ طعن في أئمة الحديث بأنهم مُجَسِّمة.
فالقسم الأول والرابع متمِّمان للثاني، وأما الثالث فليس مما ينكره الأستاذ، ولم يزل أهل العلم ينظرون فيه، وليس في الحقيقة من موضوع الكتاب، لكن تعرَّض الأستاذ في "التأنيب" لمسائل فقهية أيَّدَ فيها مذهبه، فأحببت أن أنظر فيها.
والذي اضطرّني إلى التعقيب: أن السنة النبوية وما تفتقر إليه من معرفة أحوال رواتها، ومعرفة [ص ٤] العربية، وآثار الصحابة والتابعين في التفسير، وبيان معاني السنة والأحكام وغيرها، والفقه نفسه= إنما مدارها على النقل، ومدار النقل على أولئك الذين طعن فيهم الأستاذ وأضرابِهم، فالطعن فيهم يؤول إلى الطعن في النقل كلِّه، بل في الدين من أصله.
_________________
(١) (ص ٤).
[ ٩ / ٩٦ ]
وحسبك أنّ من المقرر عند أهل العلم أنه إذا نُقِل عن جماعة من الصحابة القول بتحريم شيء، ولم ينقل عن أحدٍ منهم أو ممن عاصرهم من علماء التابعين قولٌ بالحلّ عُدّ ذاك الشيء مُجْمَعًا على حُرمته، لا يسوغ لمجتهد أن يذهب إلى حِلّه، فإن ذهب إلى حلّه غافلًا عن الإجماع كان قوله مردودًا، أو عالمًا بالإجماع فمِنْ أهل العلم من يضلِّله، ومنهم من قد يكفِّره.
لكنه لو ثبت عن رجل واحد من الصحابة قولٌ بحلِّ ذلك الشيء= كانت المسألة خلافية، لا يُحْظَر على المجتهد أن يقول فيها بقول ذاك الصحابي، أو بقولٍ مفصّل يوافق هذا في شيء وذاك في شيء.
ولا يحرم على المقلِّد الذي مذهب إمامه الحرمة أن يأخذ بالحل، إما على سبيل الترجيح والاختيار
_________________
(١) إن كان أهلًا وإما على سبيل التقليد المحض إن احتاج إليه. وثبوت ذاك القول عن ذاك الصحابي يتوقف على ثقة رجال السند إليه، والعلم بثقتهم يتوقّف على توثيق بعض أئمة الجرح والتعديل لكلّ منهم، والاعتدادُ بتوثيق الموثِّق يتوقف على العلم بثقته في نفسه وأهليته، ثم على صحة سَنَد التوثيق إليه، وثقته في نفسه تتوقف على أن يوثِّقه ثقةٌ عارف، وصحّة سند التوثيق تتوقف على توثيق بعض أهل المعرفة والفقه لرجاله، وهلمّ جرًّا. والسعيُ في توثيق رجل واحد من أولئك بغير حق، أو في الطعن فيه بغير حق سعيٌ في إفساد الدين بإدخال الباطل فيه، أو إخراج الحق منه. فإن كان ذاك الرجل واسع الرواية أو كثير البيان لأحوال الرواة، أو جامعًا للأمرين، كان الأمر أشدّ جدًّا، كما يعلمه المتدبِّر.
[ ٩ / ٩٧ ]
ولولا أن أُنْسَب إلى التهويل لشرحت ذلك، فما بالك إذا كان الطعن بغير حق في عدد كثير من الأئمة والرواة؟ يترتّب على الطعن فيهم إسقاط رواياتهم، زيادةً على محاولة توثيق جمٍّ غفير ممن جرحوه، وجرح جمٍّ غفير ممن وثقوه؟ !
[ص ٥] ففي "التأنيب" الطعن في زُهاء ثلاثمائة رجل، تبيَّن لي أن غالبهم ثقات، وفيهم نحو تسعين حافظًا، وجماعة من الأئمة، فكم ترى يدخل في الدين من الفساد لو مشى للأستاذ ما حاوله من جرحهم بغير حق؟ !
على أنَّ الأمر لا يقف عندهم، فإن الأستاذ يحاول الرد بالاتهام، والتُّهَم غير محصورة، فيمكن كلّ مَن يهوى ردَّ شيءٍ من النقل أن يبدي تهمةً في رواته وموثِّقيهم، فيحاول إسقاطهم بذلك.
بل يعدّ الملحدون الإسلامَ نفسَه ذريعةً لاتهام كلّ من روى من المسلمين ما يثبت النبوةَ والقرآنَ ونحو ذلك، ولا يقنعون بالآحاد، بل يُساورون المتواترات، بزعم إمكان التواطؤ والتتابع لاتفاق الغرض.
ولو كان هذا الطعن من رجل مغمور أو غير مشهور بالعِلْم الديني، لهان الخطب، ولكنه من رجل يَصِف نفسَه أو يصفه بعضُ خواصّه
_________________
(١) كما في لوح "التأنيب" بقوله: "الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ". ومكانته في العلم معروفة، والحنفيةُ وهم السواد الأعظم كما يقول يتلقَّون كلامَه بالقبول، وكذلك كثير من غيرهم ممن يعظم الأستاذ؛ لدفاعه عن جهمية الأشعرية، وعن القبورية.
[ ٩ / ٩٨ ]