[ص ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد، فإني وقفت على كتاب "تأنيب الخطيب" للأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري، الذي تعقَّب فيه ما ذكره الحافظ المحدث (^١) الخطيب البغدادي في ترجمة الإمام أبي حنيفة من "تاريخ بغداد" (^٢) من الروايات عن الماضين في الغَضِّ من أبي حنيفة.
فرأيتُ الأستاذ تعدَّى ما يوافقه عليه أهلُ العلم من توقير أبي حنيفة وحُسْن الذبّ عنه إلى ما لا يرضاه عالم متثبِّت من المغالطات المضادّة للأمانة العلمية، ومن التخليط في القواعد، والطعن في أئمة السنة ونَقَلَتها، حتى تناول بعضَ أفاضل الصحابة والتابعين، والأئمة الثلاثة مالكًا والشافعي وأحمد وأضرابهم، وكبار أئمة الحديث وثقات نَقَلَته، والردّ لأحاديث صحيحة ثابتة، والعيب للعقيدة السلفية، وأساء في ذلك جدًّا حتى إلى الإمام أبي حنيفة نفسه، فإنه من [ص ٣] يزعم أنه لا يتأتَّى الدفاع عن أبي حنيفة إلا بمثل ذلك الصنيع فساء ما يُثْني عليه (^٣).
_________________
(١) "الحافظ المحدث" من (ط ٢).
(٢) (١٣/ ٣٢٣ - ٤٥٤).
(٣) كذا الأصل، وفي الطبعة الأولى: "بمثل الطعن في هؤلاء الأكابر، فقد فضح وأساء إلى من يريد الذب عنه بسوء صنيعه".
[ ٩ / ٣ ]
فدعاني ذلك إلى تعقُّب (^١) الأستاذ فيما تعدَّى فيه، فجمعتُ في ذلك كتابًا أسميته "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، ورتبته على أربعة أقسام:
القسم الأول: في تحرير القواعد التي خَلَّط فيها الأستاذ.
الثاني: في تراجم الأئمة والرواة الذين طعن فيهم الأستاذ، وهم ثلاثمائة ونيّف، فيهم أنس بن مالك ﵁، وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام، والأئمة الثلاثة، وفيهم الخطيب. وأدرجتُ في ذلك تراجم أفراد مطعون فيهم حاول توثيقهم، ورتبت التراجم على حروف المعجم.
الثالث: في الفقهيَّات، وهي مسائل انتُقِدت على أبي حنيفة وأصحابه، حاول الأستاذ الانتصار لمذهبه.
الرابع: في الاعتقاديات، ذكرتُ فيه الحُجّةَ الواضحةَ لصحة عقيدة أئمة الحديث إجمالًا. وعدة مسائل تعرَّض لها الأستاذ.
ولم أقتصر على مقصود التعقّب، بل حَرَصت على أن يكون الكتاب جامعًا لفوائد عزيزة في علوم السنة، مما يعين على التبحُّر والتحقيق فيها.
وحَرَصت على توخِّي الحق والعدل، واجتناب ما كرهته للأستاذ، خلا أن إفراطه في إساءة القول في الأئمة جَرَّأني على أن أصرِّح ببعض ما يقتضيه صنيعه. وأسأل الله تعالى التوفيق لي وله.
_________________
(١) (ط): "تعقيب".
[ ٩ / ٤ ]