قال الأستاذ (ص ٩٢): " وما رواه في ست سنوات في آخر عمره، لا يعتد به لاختلاطه".
أقول: فتشت المظانّ فلم أر أحدًا زعم أن أبا عوانة اختلط، وكأنَّ الأستاذ تشبَّث بما في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤٦٥ [٤٩٤]) " محمد بن غالب حدثنا أبو سلمة (^٣) قال: قال لي أبو هشام المخزومي: من لم يكتب عن أبي عوانة قبل سنة سبعين ومائة فإنه لم يسمع منه"، ثم عقب ذلك بذكر وفاة أبي عوانة سنة ١٧٥، أو سنة ١٧٦، وحمل الأستاذ قوله: "فلم يسمع منه" على المجاز، أي فلم يسمع منه سماعًا يُعتدّ به، ثم تخرَّص أن ذلك لأجل اختلاطه.
ويدفع هذا: أن مثل أبي عَوانة في إمامته وجلالته، وكثرة حديثه، وكثرة الآخذين عنه لو اختلط لاشتهر ذلك وانتشر، فكيف لو دام ذلك سنوات؟ وقد اعتنى الأئمة بجمع أسماء الذين اختلطوا، فلم يذكروا أبا عَوانة، واعتنى المؤلفون في الضعفاء بذكر الذين اختلطوا، فلم يذكروا أبا عوانة، ومن ذكره منهم لم يذكر أنه اختلط، وإنما ذكر أنه كان إذا حدَّث من حفظه يغلط، ومع ذلك فهذه الرواية لا وجود لها (^٤) في "تهذيب التهذيب" (^٥) مع حرصه على
_________________
(١) (٢/).
(٢) (رقم ٥٦).
(٣) "حدثنا أبو سلمة" استدركها المؤلف في الطبعة الثانية.
(٤) الأصل: "له" سهو، والمثبت من (ط ٢).
(٥) (١١/ ١١٦ - ١٢٠) ترجمة أبي عوانة.
[ ٩ / ٨٤ ]
ذِكْر كلّ ما فيه مدح أو قدح، وظهر من ذلك أنها ليست في أصوله (^١). والذي يظهر أنهم حملوها على أن المقصود بها بيان تاريخ الوفاة (^٢)؛ لأن الخطيب عقَّبَها بما هو صريح في ذلك، فإما أن يكونوا أعرضوا عنها لشذوذها وإجمالها، وإما أن يكون وقع في نسخة "التاريخ" المطبوع سقط والأصل: "قبل سنة (ست و) سبعين"، فرأوا أنها مع إجمالها محتملة للوجهين المصرَّح بهما، فإن كان ولا بدّ فقد يكون المراد بها معنى ما رُوي عن الإمام أحمد: أن أبا عوانة كان في آخر عمره يقرأ من كتب الناس، يعني اعتمادًا على حفظه، مع قول أحمد: "إذا حدَّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدّث من غير كتابه ربما وهم"؛ فيكون أبو هشام بالغ في قوله: "فلم يسمع منه". فأما الاختلاط فلا وجه له البتة.