الثانية: أن يطلع عليها رجلٌ مِن خصوم الحنفية، فيجتزئ (^١) بذاك المتن، ويذهب يعيب أبا حنيفة بتلك المقالة، غير مبالٍ أصح ذلك أم لا؟
الثالثة: أن يطلع عليها عاميٌّ لا يميز، فيقع في نفسه أن أئمة السلف كان بعضهم يطعن في بعض، ويكبر ذلك عليه، ويسيء الظنَّ بهم جميعًا.
فإهمال ذِكْر المتن يمنع هذه المفاسد كلّها، ولا يبقى أمام الناظر إلا ما يتعلق بتلك القضايا الخاصة التي ناقشتُ فيها الأستاذ.
والواقع أيضًا أنه لا يلزم من صنيعي تثبيت الذم، ولا يلزمني قَصْد ذلك، ومن تأمَّل عبارات الأستاذ في الجهة الأولى ــ كما قدمتها ــ بان له صحة قولي. وأزيد ذلك إيضاحًا وشرحًا وتتميمًا، فأقول:
عامة مناقشتي للأستاذ إنما هي في الأسانيد، في كلامه في بعض رجال تلك الأسانيد، وقد وافقته (^٢) على ضعف جماعةٍ منهم، ولا يلزم من تثبيتي ثقةَ رجلٍ من رجال السند ثبوت ثقةِ غيره، بل الأمر أبعد من ذلك، فإنَّ المقالةَ المسندة إذا كان ظاهرها الذمّ أو ما يقتضيه لا يثبت الذمُّ إلا باجتماع عشرة أمور:
الأول: أن يكون هذا الرجل المعيَّن الذي وقع في الإسناد ووقعت فيه المناقشة ثقة.
الثاني: أن يكون بقية رجال الإسناد ثقات.
الثالث: ظهور اتصال السند.
_________________
(١) تحتمل: "فيجترئ".
(٢) غير محررة في الأصل.
[ ٩ / ١١٣ ]
الرابع: الأمن من أن يكون هناك عِلّة خفية يتبين بها انقطاع أو خطأ أو نحو ذلك مما يوهن الرواية.
الخامس: الأمن من أن يكون وقع في المتن تصحيف أو تحريف أو تغيير، قد يوقع (^١) فيه الرواية بالمعنى.
السادس: الأمن من أن يكون المراد بالكلام غير ظاهره.
[ص ١٢] السابع: الأمن من أن يكون الذامُّ بنى ذمَّه على غير حجة، كأن يبلغه إنسان أنَّ فلانًا قال: كذا، أو فعل كذا، فيحسبه صادقًا وهو كاذب، أو غالط.
الثامن: الأمن من أن يكون الذامُّ بنى ذمَّه على أمرٍ حَمَله على وجه مذموم، وإنما وقع على وجهٍ سائغ.
التاسع: الأمن مِنْ أن يكون للمتكلّم فيه عذر أو تأويل فيما أنكره الذامّ.
العاشر: ظهور أن ذلك المقتضي للذمِّ لم يرجع عنه صاحبه.
وقد يُزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية.
فهذه الأمور إذا اختلَّ واحدٌ لم يثبت الذم، وهيهات أن تجتمع على باطل.
والذي تصدّيتُ لمناقشة الأستاذ فيه إنما يتعلق بالأمر الأول، ولا يلزم من تثبيته تثبيت الثاني، فضلًا عن الجميع. وقد يلزم من صنيعي في بعض المواضع تثبيت الثاني، ولا يلزم من ذلك تثبيت الثالث، فضلًا عمّا بعده.
_________________
(١) شبه مطموسة في الأصل، ولعلها ما أثبت.
[ ٩ / ١١٤ ]