ــ د ــ
[ص ٤٣] ومن غرائبه: تحريف نصوص أئمة الجرح والتعديل، تجيء عن أحدهم الكلمة فيها غضٌّ من الراوي بما لا يضره أو بما فيه تليين خفيف لا يُعَدُّ جرحًا، فيحتاج الأستاذ إلى الطعن فيمن قيلت فيه، فيحكيها بلفظٍ آخر يفيد الجرح، فمن أمثلة ذلك:
١ - إبراهيم بن سعيد الجوهري. هو من شيوخ مسلم في "صحيحه" ومن كبار الحفّاظ، قال فيه أحمد بن حنبل: "كثير الكتاب، كتب فأكثر". وقال الأستاذ نفسه (ص ١٥١): "كان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: كلُّ حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم". وتجد الحكاية بتمامها في ترجمة إبراهيم من "الميزان" (^١).
وكان من عادة المكثرين أن يتردّدوا إلى كبار الشيوخ ليسمعوا منهم، فربما جاء أحدهم إلى شيخ قد سمع منه الكثير يرجو أن يسمع منه ما لم يسمعه من قبل، فيتفق أن يشرع الشيخ يحدِّث بجزء قد كان ذاك المكثر سمعه منه قبل ذلك، فلا يعتني باستماعه ثانيًا أو ثالثًا، لأنه يرى ذلك تحصيل حاصل. فكأنه اتفق لإبراهيم هذا واقعةٌ من هذا القبيل، فحكى عبد الرحمن ابن خراش قال: "سمعتُ حجاج بن الشاعر يقول: رأيت إبراهيم بن سعيد عند أبي نعيم وأبو نعيم يقرأ وهو نائم. وكان الحجاج يقع فيه".
وسيأتي إيضاح الجواب في ترجمة إبراهيم من "التنكيل" (^٢).
_________________
(١) (١/ ٣٥ - ٣٦).
(٢) (رقم ٥).
[ ٩ / ٥٠ ]
والمقصود [ص ٤٤] هنا أن الأستاذ ذكر تلك المقالة فحرَّفها تحريفًا قبيحًا. قال (ص ٧٥): "كان يتلقى وهو نائم، كما قال الحافظ حجاج بن الشاعر، فحجَّاجٌ هذا ممن جرحه لا يندمل". وقال (ص ١١٩): "رماه الحافظ حجَّاج بن الشاعر بأنه كان يتلقَّى وهو نائم". فعبارة حجّاج تحتمل ما قدَّمنا، بل إن ذلك (^١) ليس فيها ما يدل على أن إبراهيم صار بعد ذلك المجلس يروي عن أبي نعيم أحاديث يزعم أنه تلقاها في ذاك الوقت الذي كان إبراهيم فيه نائمًا، وعبارة الأستاذ تفيد هذا. وعبارة حجّاج إنما تدلُّ على مرة واحدة عند أبي نعيم، وعبارة الأستاذ تدل أن التلقي في حال النوم كان من عادة إبراهيم عند أبي نعيم وغيره! فتدبَّر.