قال الأستاذ (ص ١١٠): "ضعيف".
أقول: هذا يصلح أن يُعدّ من أمثلة الفرع الثامن (خ) لكن أظن الأستاذ اعتمد على ما حكاه أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي عن ابن معين أنه قال في ثعلبة: "ليس بشيء". وهذه حكاية منقطعة كما قاله الذهبي في "الميزان" (^٢)، لأن بين الأزدي وابن معين مَفازَة، ومع ذلك فالأزدي نفسه مُتَّهم، له ترجمة في "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"اللسان" (^٣). ثم لو فُرِض صحة تلك الكلمة عن ابن معين، فابن معين مما يطلق "ليس بشيء" لا يريد بها الجرح وإنما يريد أن الرجل قليل الحديث. وقد ذكر الأستاذ ذلك
_________________
(١) (١/ ٣٤٦). لكن ليس فيه رميه بالوضع، ولفظه هناك: "حَمَل الناسُ عنه، وهو مقارب الحال" وذكر تضعيف النسائي. فلعل نسخة المؤلف كان فيها "حمل الناس عليه" أو توهّم المؤلف قراءتها كذلك. والله أعلم. وبنحوه قال في "المغني" (١/ ١١٣)، و"السير": (١٣/ ٤٢٧).
(٢) (١/ ٣٧١).
(٣) انظر "اللسان" (٥ رقم ٤٦٤ و٤٦٥) فإنهما ترجمة واحدة. وقوله في سطر ١٥: "فإما" إلى قوله في سطر ١٨: "انتهى" كلام معترض. [المؤلف]. وانظر "تاريخ بغداد": (٢/ ٢٤٣)، و"الميزان": (٤/ ٤٤٣)، و"اللسان": (٧/ ٩٠).
[ ٩ / ٦٠ ]
(ص ١٢٩) ويأتي تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من "التنكيل" (^١) وحاصله: أن ابن معين قد يقول "ليس بشيء" على معنى قلّة الحديث فلا تكون جرحًا، وقد يقولها على وجه الجرح ــ كما يقولها غيره ــ فتكون جرحًا، [ص ٥٣] فإذا وجدنا الراوي الذي قال فيه ابن معين: "ليس بشيء" قليلَ الحديث وقد وُثِّق، وجب حَمْل كلمة ابن معين على معنى قلة الحديث لا الجرح، وإلا فالظاهر أنها جرح. فلما نظرنا في حال ثعلبة، وجدناه قليلَ الحديث، ووجدنا ابن معين نفسه قد ثبت عنه أنه قال في ثعلبة: "لا بأس به". وقال مرة: "ثقة"، كما في "التهذيب" (^٢).
وممن قال ابنُ معين فيه: "ليس بشيء" أبو العطوف الجرّاح بن المنهال، فنظرنا في حاله، فإذا له أحاديث غير قليلة ولم يوثّقه أحد بل جرَّحوه، قال ابن المديني: "لا يُكتب حديثه"، وقال البخاري ومسلم: "منكر الحديث"، وقال النسائي والدارقطني: "متروك"، وقال أبو حاتم والدولابي الحنفي: "متروك الحديث ذاهب لا يكتب حديثه"، وقال النسائي في "التمييز": "ليس بثقة ولا يكتب حديثه" وذكره البرقي فيمن اتُّهِمَ بالكذب، وقال ابن حبان: "كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر ". والكلام فيه أكثر من هذا (^٣). فعرفنا أن قول ابن معين فيه: "ليس بشيء" أراد بها الجرح كما هو المعروف عند غيره في معناها.
فتدبَّر ما تقدم، ثم انظر حال الأستاذ إذ يبني على حكاية الأزدي عن ابن
_________________
(١) (رقم ٦١).
(٢) (٢/ ٢٣).
(٣) انظر "الميزان": (١/ ٣٩٠)، و"اللسان": (٢/ ٢٤٦).
[ ٩ / ٦١ ]
معين أنه قال في ثعلبة: "ليس بشيء" ويعلم حال الأزدي، وأنه كان بعد ابن معين بمدّة، ويعرف أن ابن معين قد يطلق تلك الكلمة لا على سبيل الجرح، وأنّ الحجةَ قائمةٌ على أن هذا من ذاك، ومع ذلك كله يقول الأستاذ في ثعلبة: "ضعيف". وفي أبي العطوف يرى [ص ٥٤] الأستاذ جرح الأئمة له وأن له أحاديث غير قليلة، وأن ذلك مبيّن أن قول ابن معين فيه: "ليس بشيء" إنما أراد بها الجرح، ولكن الأستاذ يقول (ص ١٢٩): "وقال ابن معين: ليس بشيء، وهو كثيرًا ما يقول هذا فيمن قلَّ حديثه"! وعذر الأستاذ أنه بحاجة إلى ردّ رواية رواها ثعلبة وإلى تقوية أبي العطوف، هكذا تكون الأمانة عند الأستاذ!