ــ ٢ ــ
فصل
حاول الأستاذ في "الترحيب" (^١) التبرُّؤ مما نُسِب إليه في "الطليعة" من الطعن في أنس ﵁، وفي هشام بن عروة (^٢)، وفي الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.
أما كلام الأستاذ في الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد فسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ في تراجمهم (^٣).
ويكفي تدبر العبارة التي قالها في "التأنيب" في معرض الثناء عليهم ــ زعم ــ، ونقلها في "الترحيب" في معرض التبرُّؤ من الطعن فيهم.
وحقيقة الحال أن الأستاذ يرى أو يتراءى أو يعرض على الناس أن يروا أن منازل الأئمة هي كما يتحصَّل من مجموع كلامه في "التأنيب"، ويرى أنه قد تفضَّل على الأئمة الثلاثة، وجامل أتباعَهم بأن أوهمهم في بعض عباراته أنه رفعهم عن تلك المنزلة قليلًا.
فلما رآني لم أعتدّ بذاك الإيهام الفارغ، كان أقصى ما عنده أن يوهم الجهال براءته ــ ومعهم العلماء ــ أن تلك منازلهم عنده، رضوا أم كرهوا.
فأما كلامه في أنس، فتراه وما عليه في "الطليعة" (ص ٩٨ - ١٠٦) (^٤)،
_________________
(١) (ص ٣٥١ - مع التأنيب".
(٢) "وفي هشام بن عروة" ملحقة بين الأسطر ولعل هذا مكانها.
(٣) يعني من "التنكيل" وهم فيه بالأرقام (١٨٣، ١٨٩، ٣٢).
(٤) (ص ٧٧ - ٨٣).
[ ٩ / ٩٩ ]
ويأتي تمامه في ترجمته (^١).
وينبغي أن يُعْلَم أن منزلة أنس ﵁ عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلسانُ حال الأستاذ يقول: ومَن أنس؟ وما عسى أن تكون قيمة رواية أنس في مقابلة الإمام الأعظم وعقليته الجبارة؟ ! كما أشار إلى ذلك في "الترحيب" (ص ٢٤) (^٢) إذ قال: "وأسماء الصحابة الذين رغب الإمام عما انفردوا به من الروايات مذكورة في "المؤمَّل" لأبي شامة الحافظ. وليس هذا إلا تحريًّا بالغًا في المرويات يدل على عقلية أبي حنفية الجبارة".
فزادنا مع أنس جماعةً من الصحابة ﵃، وإلى ما يغالط به من "الترجيح" ــ الذي دفعته في "الطليعة" (ص ١٠٥ - ١٠٦) (^٣) ــ التصريح بأنه يكفي في تقديم رأي أبي حنيفة على السنة أن ينفرد برواية السنة بعضُ أولئك الصحابة.
هذا مع أن رواية أنسٍ في الرّضْخ تشهد لها أربعُ آيات من كتاب الله ﷿، بل أكثر من ذلك، كما يأتي في "الفقهيات" (^٤) إن شاء الله تعالى. ومعها القياس الجلي، ولا يعارض ذلك شيء، إلا أن يقال: إنّ عقلية أبي حنيفة الجبارة كافية لأن يقدّم قوله على ذلك كلّه!
وعلى هذا فينبغي للأستاذ أن يتوب [ص ٦] من قوله في "التأنيب" (ص ١٣٩) عند كلامه على ما رُوي عن الشافعي من قوله: أبو حنيفة يضع
_________________
(١) من "التنكيل" رقم (٥٦).
(٢) (ص ٣١٧ - مع التأنيب).
(٣) (ص ٨٢ - ٨٣).
(٤) (٢/ ١٢٧ وما بعدها).
[ ٩ / ١٠٠ ]
أوَّلَ المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كلَّه عليها. قال الأستاذ هناك: "ولأبي حنيفة بعض أبواب الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي، وجعله أصلًا، ففرَّع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة، حتى ردَّها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب المزارعة، حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي فجعله أصلًا، ففرَّع عليه الفروع".
إلا أن يقول الأستاذ: إن أبا حنيفة لم يستعمل عقليته الجبارة في تلك الكتب أو الأبواب، وإنما قلّد فيها بعضَ التابعين، كشريح وإبراهيم. فعلى هذا يختص تقديم العقلية الجبارة بما يقوله من عند نفسه غير متبع فيه لأحد.
فعلى هذا نطالب الأستاذ أن يطبِّق مسألة القَوَد على هذه القاعدة.
أما نحن فلا نَعْتد (^١) على أبي حنيفة بقول الأستاذ، ولا بحكاية أبي شامة الشافعي الذي بينه وبين أبي حنيفة نحو خمسمائة سنة، بل نقول: لعلّ أبا حنيفة لم يرغب عن انفراد أحدٍ من الصحابة، بل هو موافقٌ لغيره في أن انفراد الصحابي مقبول على كلِّ حال، وإنما لم يأخذ ببعض الأحاديث؛ لأنه لم يبلغه من وجه يثبت، أو لأنه عارضه من الأدلة الشرعية ما رآه أرجح منه.
وإذا كان أبو حنيفة قد يأخذ برأي رجل واحد من التابعين، كشُرَيح في الوقف، وإبراهيم في المزارعة، فكيف يترك سنةً لتفرُّد بعضِ الصحابة بها؟ !
فأما التحرّي البالغ، فإن كان هو الذي يؤدِّي إلى قبول ما حقّه أن يُقْبَل، وردّ ما حقّه أن يُرَدّ، فلا موضع له هنا، وإن كان هو الذي يؤدِّي إلى قبول ما حقّه الرد كرأي شُريح في الوقف، ورأي إبراهيم في المزارعة، وإلى ردّ ما
_________________
(١) تحتمل: "نعقد".
[ ٩ / ١٠١ ]
حقّه القبول كما ينفرد به بعض الصحابة، ولا يعارضه من الأدلة الشرعية ما هو أقوى منه، أو كردِّ حديث الرضخ مع شهادة القرآن والقياس الجلي له= فهذا تجرٍّ ــ بالجيم ــ لا تحرٍّ ــ بالحاء ــ، أو قل: تحرٍّ للباطل لا للحق.
فإن كان المقصود التخييل السحري، فيستطيع من يردّ انفراد الصحابي ــ أيّ صحابيٍّ كان ــ أن يقول: إن ذلك تحرٍّ بالغ، بل ومن يردّ السنن كلّها سوى المتواتر، بل ومَن يردّ المتواتر أيضًا فيقول: بل التحرِّي البالغ يقضي أن لا ينسب إلى شرع الله إلّا ما نصَّ عليه كلامه، بل ومن يردّ الدلالة الظنية من القرآن، ويردّ الإجماع قد يقول ذلك، ولم يبق إلا الدلالات اليقينية من القرآن. وشيوخُ الأستاذ من المتكلمين ينفون وجودها، كما يأتي في "الاعتقاديات" (^١) إن شاء الله تعالى.
فأما القياس فهو بأن يسمى إلغاؤه تحرّيًا واحتياطًا في دين الله أولى من ذلك كله فإنه بالنسبة إلى ذلك كما قيل:
ويذهب بينها المرئيُّ لغوًا كما ألغيتَ في الديةِ الحُوارا (^٢)
والمقصود هنا أن منزلة أنس عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها بلا تحرٍّ، وإن زعم الأستاذ أنه ليس في كلامه ما ينتقد.
وفي "فتح الباري" (^٣) في باب المُصَرَّاة: "قال ابنُ السمعاني في "الاصطلام": التعرُّض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو
_________________
(١) انظر "التنكيل": (٢/ ٤٨٥ وما بعدها).
(٢) البيت لذي الرمة "ديوانه" (٢/ ١٣٧٩) وفيه: "ويهلك بينها ".
(٣) (٤/ ٣٦٥ - ط السلفية).
[ ٩ / ١٠٢ ]
بدعة وضلالة".
ذكر ذلك في صدد ردِّ كلام بعض الحنفية في رواية أبي هريرة حديث المصرَّاة.
وأما هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، فهذه قصته: روى هشام عن أبيه عروة ــ وفي رواية للدارمي (١/ ٥١) (^١): هشام عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة ــ قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى ظهر فيهم المولَّدون أبناء سبايا الأمم، فقالوا فيهم بالرأي، فضلّوا وأضلّوا".
فذكرها الأستاذ في "التأنيب" (ص ٩٨) ثم قال: "وإنما أراد هشام النكاية في ربيعة وصاحبه (مالك) لقول مالك فيه [ص ٧] بعد رحيله إلى العراق فيما رواه الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي، عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فُليح قال: قال لي مالك بن أنس: هشام بن عروة كذَّاب. قال: فسألت يحيى بن معين فقال: عسى أراد في الكلام، فأما في الحديث فهو ثقة".
وعلَّق في الحاشية: "هذا من انفرادات الساجي. وأهلُ العلم قد تبدُر منهم بادرة، فيتكلّمون في أقرانهم بما لا يقبل، فلا يُتّخذ ذلك حجة، على أن ما يؤخذ به هشام بعد رحيله إلى العراق أمرٌ يتعلق بالضبط في التحقيق، وإلا فمالك أخرج عنه في الموطأ".
ففهمتُ من قوله: "وإنما أراد هشام النكاية " أنه يريد أن هشامًا افترى هذه الحكاية لذاك الغرض، وأنّ ذلك مِن الكذب الذي عُني (^٢) في الكلمة
_________________
(١) (١٢٢).
(٢) غير محررة في الأصل، ولعلها ما أثبتّ.
[ ٩ / ١٠٣ ]
المحكيّة عن مالك: "هشام بن عروة كذاب"، ومِن الكذب في الكلام على ما في الحكاية عن ابن معين، ومن البوادر التي لا تقبل كما ذكره في الحاشية.
وبنيتُ على ذلك ما قلتُه في الكلمة التي كنتُ كتبتها إلى بعض الإخوان، فاتفق أن وقعت بيد المعلِّق أو الطابع، فطبعها كمقدمة للطليعة ــ بدون علمي ــ قلت فيها كما في "الطليعة" المطبوعة (ص ٤) (^١): "وفي هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، حتى نَسَب إليه الكذب في الرواية".
فتعرَّض الأستاذ لذلك في "الترحيب" (ص ٤٨) (^٢)، وتوهَّم أو أوهم أنني إنما بنيتُ على ما في الحكاية التي نقلها مما نُسِب إلى مالك من قوله: "كذاب"، فأعاد الأستاذ الحكاية هناك ثم قال: "أهذا قولي أم قول مالك، أيها الباهت الآفك".
فأقول: أما قولك، فقد قدمتُ ما فيه من إفهام أن هشامًا افترى تلك الحكاية انتقامًا من مالك، وأما قول مالك فلم يصح، بل هو باطل.
ومن لطائف الأستاذ: أنه اقتصر في ما تظاهر به في صدر (^٣) الحاشية مِن محاولة تليين الحكاية عن مالك على قوله: "وهذا من انفرادات الساجي"، فكأنه لا مَطعن فيها إلا ذلك، وهو يعلم أن زكريا الساجي حافظٌ ثقة ثبت، وإن حاول هو في موضع آخر أن يتكلّم فيه، كما يأتي في ترجمته (^٤) إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) (ص ٣ - ٤) بنحوه ولم أجده بنصه.
(٢) (ص ٣٣٨ - مع التأنيب).
(٣) غير محررة في الأصل.
(٤) من "التنكيل" رقم (٩٤).
[ ٩ / ١٠٤ ]
هذا مع جزمه في المتن بقوله: "لقول مالك فيه".
[ص ٨] والحكايةُ أخرجها الخطيب في "تاريخ بغداد" (١/ ٢٢٣) وتعقَّبها بقوله: "فليست بالمحفوظة إلا من الوجه الذي ذكرناه، وراويها عن إبراهيم بن المنذر غير معروف عندنا".
يعني: أحمد بن محمد البغدادي. وبغداديٌّ لا يعرفه الخطيب الذي صرف أكثرَ عمره في تتبُّع الرواة البغداديين لا يكون إلا مجهولًا، فهذا هو المُسْقِط لتلك الحكاية من جهة السند.
ويُسقطها من جهة النظر: أن مالكًا احتجّ بهشام في "الموطأ"، مع أن مالكًا لا يجيز الأخذ عمن جُرِّب عليه كذبٌ في حديث الناس، فكيف الرواية عنه؟ فكيف الاحتجاج به؟
وصحَّ عن مالك أنه قال: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ من سفيه مُعلنٍ بالسَّفَه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ عن كذَّاب يكذب في أحاديث الناس إذا جُرِّب ذلك عليه، وإن كان لا يُتّهم أن يكذب على رسول الله - ﷺ - ".
أسنده الخطيب في "الكفاية" (ص ١١٦)، وذكره ابن عبد البر في "كتاب العلم" (^١)، كما في مختصره (ص ١٢٢)، وقال: "وقد ذكرنا هذا الخبر عن مالك من طرق في كتاب التمهيد (^٢) ".
_________________
(١) (٢/ ٨٢١).
(٢) (١/ ٦٦).
[ ٩ / ١٠٥ ]
وكأنَّ الأستاذ يحاول إثبات أن الأئمة كمالك وابن معين يوثّقون الرجل إذا رأوا أنه لا يكذب في الحديث النبوي، وإن علموا أنه يكذب في الكلام، ويحاولُ أن يُدْخِل في الكلام ما يرويه الثقات مما فيه غضٌّ من أبي حنيفة، وهكذا ما يرويه أحدهم عن غيره مما فيه غضّ من أبي حنيفة، ولو مِن بُعْد، كرواية هشام المذكورة.
وعلى هذا فيدخل في الكلام الذي لا يمتنع الأئمة من توثيق الكاذب فيه كلُّ كلامٍ إلا ما فيه إسناد خبر إلى النبي ﵌، ولو
_________________
(١) والعياذ بالله تعالى تم هذا للأستاذ لسقطت المرويات كلها، ويأبى الله ذلك والمؤمنون. أما السنة فإنها لا تثبت إلا بثقة رواتها، وتوثيقُ الأئمة للرواة كلامٌ ليس فيه إسنادُ خبرٍ إلى النبي ﵌. وهكذا روايةُ مَن بَعْد الأئمة لكلام الأئمة هي كلام، ويدخل في ذلك سائرُ كلماتِ الجرح والتعديل، والمدح والقدح: قولُها، وروايتُها، وحكايةُ مقتضيها، وروايتُه. فإذا كانوا يرون أن الكذب في ذلك لا ينافي الثقة لم نأمن من أن يكذبوا فيه، وتوثيق مَن بعدهم لهم لا يدفع أن يكونوا يكذبون مثل هذا الكذب، بل يجوز أن يكون ذاك التوثيق نفسه كذبًا، وإن كان قائله ثقةً. وأما ما عدا السنة من آثار الصحابة والتابعين ونحو ذلك، فكلّه كلام، والمعروف بين أهل العلم أنّ تعمُّد الكذب يوجب ردَّ رواية صاحبه مطلقًا. [ص ٩] وقد قال الخطيب (ص ١١٧): "باب في أن الكاذب في غير
[ ٩ / ١٠٦ ]
حديث رسول الله ﵌ ترد روايته. قد ذكرنا آنفًا قولَ مالك بن أنس، ويجب أن يُقبل حديثه إذا ثبتت توبته".
ولم يذكر في ذلك خلافًا، وقد روى ابنُ أبي حاتم عن أبيه: أن يحيى بن المغيرة سأل جريرَ بن عبد الحميد عن أخيه أنس بن عبد الحميد، فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنه يكذب في حديث الناس، فلا تكتب عنه".
وفي "النخبة" وشرحها (^١) ما يفيد أن الكذب في الكلام أشدّ إسقاطًا للراوي من الزنا مثلًا.
فأما القبول بعد ثبوت التوبة فقد خالف فيه الصيرفي ــ فيما قيل ــ وهو من أجلّة النُّظار، فعنه أن الكاذب في غير الحديث النبوي كالكاذب فيه في أن لا تُقبل روايته أبدًا وإن تاب (^٢).
ويتأكّد هذا في الكذب في الرواية لأقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم، وما يتصل بذلك مما فيه توثيق راوٍ أو جرحه، أو ذمّ عالمٍ أو مدحه، وقريبٌ من هذا قول تابع التابعي.
وتوثيق الراوي يكون تثبيتًا لمروياته، فإن كان فيها كذب كان التوثيق تثبيتًا للكذب في عدة أحاديث نبوية، فالكذب في ذلك التوثيق أشدّ من الكذب في حديث واحد.
_________________
(١) "نزهة النظر" (ص ٨٨).
(٢) انظر "علوم الحديث" (ص ١١٦) لابن الصلاح فقد نقل ذلك عن الصيرفي فيما فهمه من كتاب شرح رسالة الشافعي. وخالفه العراقي في "التقييد والإيضاح": (١/ ٥٨٩ - ٥٩٠) وقال: إنما أراد الصيرفي الكذب في الحديث.
[ ٩ / ١٠٧ ]
والجرح إسقاط للراوي، فإذا كان في نفس الأمر ثقة، ففي جرحه إسقاط لعدة من الأحاديث النبوية. وليس الكذب المسقط لأحاديث نبوية صحيحة بأخفّ من الكذب المثبت لأحاديث باطلة.
ومدحُ العالمِ تثبيت لمروياته ولأقواله أنها أقوالُ عالمٍ تصيرُ بها المسألةُ خلافية، ويكون للعاميّ الأخذ بها تقليدًا.
وذمُّه على العكس من ذلك، أعني: أنه قد يكون فيه إسقاط المرويات والأقوال، بل قد يقال: الرواية بابٌ واحدٌ، فالكذب في ضربٍ منها يجرُّ إلى الكذب في الضرب الآخر.
هذا، وإطلاقهم أن الكاذب في غير الحديث النبوي لا تُقبل روايته يتناول الكذبة الواحدة [ص ١٠] في غير الرواية، وإن لم يُخْش منها ضرر.
فأما على القول بأنها مسقطة للعدالة مطلقًا
_________________
(١) وفي الزواجر (٢/ ١٦٩): أنه ظاهر الأحاديث أو صريحها فظاهر. وأما على القول بأنها وحدَها حيث لا ضرر فيها لا تسقط العدالة، فقد يقال: هذا خاصٌّ بما إذا وقعت ممن لا يتعانى الرواية، فأما الراوي فالأمر فيه أشدّ؛ لأنّ عِماد الرواية الصدق، والكذب خلقٌ واحد، فمن كَذَب في غير الرواية لم يُؤمَن أن يجرّه ذلك إلى الكذب في الرواية. وأيضًا فالشهادة يُحتاج إلى التسمح فيها؛ لأن التشديد في عدالة الشهود قد يؤدِّي إلى ضياع الحقوق بخلاف الرواية، فإنما يتعاناها أفراد من أهل العلم، والغالب فيها بعد زمن الصحابة أن يوجد الحديث عند جماعة. ويشدّ هذا قولُ الحنفية: إنه يجوز القضاء بشهادة فاسِقَين، ولا يجوز قبول
[ ٩ / ١٠٨ ]
الرواية إلا مِنْ عَدْل. وعلى كلّ حال فالكذب في الرواية قد لا يتأتي أن يقال: إن منه ما لا ضرر فيه ولا مفسدة.
فعلى هذا فلا يكون إلا كبيرةً قطعًا، فيكون مسقطًا لعدالة صاحبه ألبتة، حتى لو فرضنا أنّ من الأئمة من قد يوثِّق مَن يعلم أنه قد كَذَب في كلام الناس كذبةً لا ضرر فيها ولا مفسدة، فلا يلزم من ذلك أن يوثِّق مَن يرى أنه قد يكذب في الرواية لغير الحديث النبوي.
وهكذا ما يتعلّق بالجرح والتعديل، والمدح والقدح، فإن الكذب فيه ضارٌّ، مشتملٌ على المفاسد حتمًا، فلا ينافي أن قال: إنه لا (^١) يسقط العدالة.
والمقصود هنا إيضاح أنك إذا نسبتَ إلى راوٍ تعمُّدَ الكذب في رواية ــ ولو لغير الحديث النبويّ ــ أو جرح أو تعديل= فقد زعمت أنه فاسق ساقط العدالة، مردود الرواية مطلقًا.
فمحاولة الأستاذ نِسْبة هشام إلى تعمُّد الكذب في تلك الرواية محاولة لإسقاط هشام ألبتة. ولهذا نظائر في كلام الأستاذ ستأتي، ويأتي الكلام على التهمة قريبًا إن شاء الله تعالى (^٢).
وأما كلام الأستاذ في أئمة الفقه: مالك والشافعي وأحمد، فسيأتي في تراجمهم (^٣).
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب حذف "لا".
(٢) انظر (ص ٣٤ فما بعدها).
(٣) في "التنكيل".
[ ٩ / ١٠٩ ]