_________________
(١) ٣ فصل من أوسع أودية الباطل الغلوّ في الأفاضل، ومن أَمْضى أسلحته أن يرمي الغالي كلَّ من يحاول ردَّه إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم. يرى بعضُ أهل العلم أن النصارى أول ما غَلَوا في عيسى ﵇ كان الغلاة يرمون كلَّ من أنكر عليهم بأنه يبغض عيسى ويحقره، ونحو ذلك؛ فكان هذا من أعظم ما ساعد على انتشار الغلو؛ لأن بقايا أهل الحق كانوا يرون أنهم إذا أنكروا على الغلاة نُسِبوا إلى ما هم أشدّ الناس كراهية له مِن بُغْض عيسى وتحقيره. ومَقَتهم الجمهورُ، وأوذوا، فثبَّطَهم هذا عن الإنكار، وخلا الجوُّ للشيطان. وقريب من هذا حال غلاة الروافض، وحال القبوريين، وحال غلاة المقلدين. وعلى هذا جرى الأمر في هذه القضية؛ فإن الأستاذ غلا في أبي حنيفة حتى طعن في غيره من أئمة الفقه، وفي أئمة الحديث، وثقات رواته، بل تناول بعض الصحابة والتابعين. وأُسْكِتَ أهلُ العلم [ص ١١] في مصر وغيرها برَمْي كلِّ مَن يهمّ أن ينكر عليه ببغض أبي حنيفة ومعاداته، ولما اطّلع الأستاذ على "الطليعة" جرَّد على صاحبها ذلك السلاح. ومن تصفَّح "الترحيب" عَلِم أن ذلك بعد المغالطة والتهويل هو سلاحه الوحيد، فهو يُبْدئ فيه ويُعيد، ونفسُه تقول له: هل من مزيد! فمن جهة يقول في "الترحيب" (ص ١٥): "أخبار الآحاد على فرض ثقة
[ ٩ / ١١٠ ]
رواتها لا تناهض العقل ولا النقل المستفيض فضلًا عن المتواتر، وقد ثبتت إمامة أبي حنيفة وأمانته ومناقبه لدى الأُمة بالتواتر".
ويقول بعد ذلك: "خبر الآحاد يكون مردودًا عند مصادمته لما هو أقوى منه من أخبار الآحاد، فضلًا عن مصادمته لما تواتر".
ويقول (ص ١٧): "وأما الخبر المصادم لذلك من بين أخبار الآحاد، فيردّ حيث لا تمكن مناهضته للعقل والخبر المتواتر على تقدير سلامة رجاله من المآخذ".
ويقول (ص ٢٦): "ومن المقرر عند أهل العلم أن صحة السند بحسب الظاهر لا تستلزم صحة المتن".
ويعد حسناتي ذنوبًا فيقول (ص ١٩): "وحذفه للمتون لأجل إخفاء مبلغ شناعتها عن نظر القارئ، فلو ذكرها كلها مع كلام الكوثري في موضوع المسألة، لنبذ السامع نقد هذا الناقد في أول نظرة، لما حوت تلك المتون من السخف البالغ الساقط بنفسه من غير حاجة إلى مُسقط، فيكون ذكر المتون قاصمًا لظهره".
ويقول (ص ٢٥): "ولو كان الناقد ذكر في صُلب نقده متن الخبر المتحدّث عنه، كان القارئ يحكم بكذب الخبر بمجرَّد سماعه، لكن عادة الناقد إهمال ذكر المتن إخفاءً لحاله".
ومن جهة أخرى يعود فيقول في "الترحيب" (ص ١٦): "وعادتي أيضًا في مثل تلك الأخبار تطلُّب ضعفاء بين رجال السند بادئ ذي بدء، ضرورةَ أن الخبر الذي ينبذه العقل أو النقل لا يقع في رواية الثقات".
ويقول (ص ١٩): "ومن المضحك تظاهره (اليماني) بأنه لا يعادي النعمان مع سعيه سعي المستميت في توثيق رواة الجرح، ولو بالتحاكم إلى الخطيب نفسه المتهم فيما عمله، مع أنه لو ثبتت ثقة حملتها ثبت مقتضاها".
[ ٩ / ١١١ ]
فلأدع الاستنتاج إلى القارئ، وأقول:
أما الباعث لي على تعقّب "التأنيب" فقد ذكرتُه أول "الطليعة" (^١)، وتقدّم شرحه في الفصل الأول، وهب أنّ غرضي ما زعمه الأستاذ، وأنه يلزم من صنيعي تثبيت مقتضى تلك الحكايات، فلا يخلو أن يكون كلامي مبنيًّا على الأصول المألوفة والقواعد المعروفة، أو يكون خلاف ذلك.
فإن كان الأول، فلازم الحقِّ حقٌّ، وإن كان الثاني، ففي وُسْع الأستاذ أن يوضّح فسادَه بالأدلة المقبولة.
فعلى أهل المعرفة أن يحاكموا بين "الطليعة"، و"الترحيب" حتى يتبين لهم أقام الأستاذ ببعض كلامي بأدلة مقبولة عند أهل العلم، أم أردف ما في "التأنيب" من التهويل والمغالطة والتمحل بمثلها؟ !
ولم يكد يضيف إلى ذلك إلّا رمي اليماني ببغض أبي حنيفة! كأنَّ الأستاذ يرى أن تلك المهاجمة لا تُتَّقى إلا بالهوى، بإثارة ما استطاع في نفوس أتباعه الذين يهمّه شأنهم ليضرب به بينهم وبين "الطليعة" و"التنكيل" حجابًا لا تخرقه حجّة، ولا يزيده الله تعالى بعد استحكامه إلا شدّة.
والواقع أن مقصودي هو ما شرحته في الفصل السابق، ولذلك أهملت ذِكر المتون لأنها خارجة عن مقصودي، ومع ذلك ففي ذكرها مفاسد:
الأولى: ما أشار إليه الأستاذ في الجملة، وهو أن يطلع عليها حنفي متحمِّس، فيحمله ذِكْر المتن على أن يعرض عن كلامي البتة، ولا يستفيد إلَّا بُغْض مَن نُسِب إليه المتن من الأئمة.
_________________
(١) (ص ٤).
[ ٩ / ١١٢ ]