الحديث والحكم بثبوته عن النبي ﷺ، وقد صححه أيضًا شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية والحافظ الذهبي. وقال ابن حجر رجاله ثقات. وكفى بهؤلاء الحفاظ قدوة في تصحيح الحديث، وفي تصحيح هؤلاء الأئمة النقاد له أبلغ رد على من علله بالعلل الواهية.
الوجه الثاني: أن يقال إن خلق آدم على صورة الرحمن ثابت عن النبي ﷺ في أربعة أحاديث تقدم ذكرها في أول الكتاب (١)، أولها: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته» وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن أبي هريرة ﵁، والضمير في قوله «على صورته» عائد إلى الله تعالى كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة.
وثانيها: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق آدم على صورته. وهذا النص لا يحتمل التأويل، ومن تأوله فقد أبعد النجعة وتكلف غاية التكلف.
وثالثها: حديث أبي يونس الدوسي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإنما صورة الإنسان على صورة وجه الرحمن» وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته. وهذا النص لا يحتمل التأويل وفيه أبلغ رد على ابن خزيمة وعلى كل من تأول الحديث بتأويلات الجهمية المعطلة.
ورابعها: حديث أبي رافع الصائغ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه
_________________
(١) ص ٦ - ٨ و٢٠ و٢٦ - ٢٧.
[ ٤٠ ]
فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه» وهذا نص صريح في خلق آدم على صورة وجه الله تعالى، وهذا النص لا يحتمل التأويل، وفي هذه الأحاديث الأربعة أبلغ رد على من تأول حديث ابن عمر ﵄ على غير تأويله ونفى إضافة الصورة إلى الرحمن وزعم أنها من إضافة الخلق والتصوير إلى الله تعالى.
الوجه الثالث: أن أقول قد ذكرت قريبًا قول أهل السنة والجماعة في أحاديث الصفات أنه يجب أن تقابل بالقبول والتسليم وأن تمر كما جاءت من غير تفسير مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء، ولا يجوز رد شيء من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الصفات وفي غير الصفات ولا النفرة مما هو ثابت عن النبي ﷺ من نصوص الصفات التي يستوحش منها بعض الناس ولا تقبلها نفوس الجهمية المعطلة.
الوجه الرابع: أن يقال إن الذين قالوا إن إضافة الصورة إلى الرحمن في حديث ابن عمر ﵄ إنما هو من إضافة صفات الذات لم يغلطوا ولم يضاهوا المشبهة وإنما أثبتوا ما ثبت عن النبي ﷺ وأمروه كما جاء من غير تفسير عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وتصديقًا لقول الله تعالى في صفة رسوله ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٣ - ٥]، ولا شك أن الغالط في الحقيقة من يغلط الذين يتمسكون بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ وينزهونا عن أقوال الجهمية المعطلة وعن تأويلات الذين يزعمون أن ظاهرها غير مراد.
الوجه الخامس: أن يقال من زعم أن إضافة الصورة إلى الرحمن
[ ٤١ ]
في حديث ابن عمر ﵄ إنما هو من إضافة الخلق والتصوير إلى الله تعالى فقد صرف الحديث عن ظاهره وأفسد معناه، وعلى هذا التأويل المستكره لا يكون لآدم مزية على غيره من المخلوقات ولا يكون بينه وبينها فرق مؤثر لأن الله تعالى هو الذي خلق المخلوقات كلها وصورها ولكنه قد خص آدم من بينها بخصائص عظيمة امتاز بها على سائر المخلوقات. منها أنه خلقه بيديه، ومنها أنه خلقه على صورته، ومنها أنه نفخ فيه من روحه، ومنها أنه علمه الأسماء كلها، ومنها أنه أمر الملائكة بالسجود له، فمن أنكر شيئًا من هذه الخصائص فقد بخس آدم حقه وجحد الفضيلة العظيمة التي خصه الله بها وفضله بها على سائر المخلوقات، وهذا من أعظم العقوق لآدم.
الوجه السادس: أن يقال لا يشك أحد من العقلاء أن بني آدم قد خلقوا على صورة أبيهم آدم ولم يخلقوا على صورة غيره من المخلوقات، ولو كان المراد من حديث ابن عمر ﵄ الإخبار بأن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح لما كان في الحديث فائدة ولا كان فيه فضيلة خاصة لآدم وذريته وإنما يكون ذلك من تحصيل الحاصل.
الوجه السابع: أن يقال إن ابن خزيمة قد قرر في آخر كلامه قول من أعاد الضمير في حديث الصورة على آدم وذلك واضح في قوله فصورة آدم هي ستون ذراعًا التي أخبر النبي ﷺ أن آدم خلق عليها، وقد تقدم قول الإمام أحمد أن هذا قول الجهمية.
[ ٤٢ ]