كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء: ١٩٦ - ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنزلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦]، بل قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه
وسلم لما أخبره تميم بخبر الدجال والجساسة فرح بذلك وقال: حدثني حديثا يوافق ما كنت حدثتكموه.
إذا عرف ذلك فيقال: أما عود الضمير إلى غير الله فهذا باطل من وجوه، أحدها أن في الصحيحين ابتداء: «أن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا» وفي أحاديث أخر: «إن الله خلق آدم على صورته» ولم يتقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه، وما ذكر بعضهم من أن النبي ﷺ رأى رجلًا يضرب رجلًا ويقول قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فقال: «خلق الله آدم على صورته» أي على صورة هذا المضروب، فهذا شيء لا أصل له ولا يعرف في شيء من كتب الحديث.
الثاني: أن الحديث الآخر لفظه «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» وليس في هذا ذكر أحد يعود الضمير إليه.
الثالث: أن اللفظ الذي ذكره ابن خزيمة وتأوله وهو قوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم
[ ٦٤ ]
على صورته» ليس فيه ذكر أحد يصلح عود الضمير إليه، وقوله في التأويل أراد ﷺ أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب والذي قبح وجهه فزجر ﷺ أن يقول ووجه من أشبه وجهك.
فيقال له لم يتقدم ذكر مضروب فيما رويته عن النبي ﷺ ولا في لفظه ذكر ذلك، بل قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» ولم يقل إذا قاتل أحدكم أحدًا وإذا ضرب أحدًا، والحديث الآخر ذكرته من رواية الليث بن سعد ولفظه «ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» وليس في هذا ذكرٌ مرَّ حتى يصلح عود الضمير إليه.
فإن قيل قد يعود الضمير إلى ما دل عليه الكلام وإن لم يكن مذكورًا، قيل إنما يكون فيما لا لبس فيه حيث لم يتقدم ما يصلح لعود الضمير إليه إلا ما دل عليه الخطاب فيكون العلم بأنه لا بد للظاهر من مضمر يدل على ذلك، أما إذا تقدم اسم صريح قريب إلى الضمير فلا يصلح أن يترك عوده إليه ويعود إلى شيء متقدم لا ذكر له في الخطاب وهذا مما يعلم بالضرورة فساده في اللغات.
الرابع: أنه في مثل هذا لا يصلح إفراد الضمير فإن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم فتخصيص واحد لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد لاسيما وقوله: وإذا قاتل أحدكم وإذا ضرب أحدكم عام في كل مضروب. والله خلق آدم على صورهم جميعهم فلا معنى لإفراد الضمير، وكذلك قوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك» عام في كل مخاطب، والله قد خلقهم كلهم على صورة آدم.
[ ٦٥ ]
الخامس: أن ذرية آدم خلقوا على صورة آدم لم يخلق آدم على صورهم فإن مثل هذا الخطاب إنما يقال فيه خلق الثاني المتأخر في الوجود على صورة الأول المتقدم وجوده، لا يقال إنه خلق الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود كما يقال خلق الخلق على غير مثال أو نسج هذا على منوال هذا ونحو ذلك فإنه في جميع هذا إنما يكون المصنوع المقيس متأخرًا في الذكر عن المقيس عليه. وإذا قيل خلق الولد على صورة أبيه أو على خلق أبيه كان كلامًا سديدًا، وإذا قيل خلق الوالد على صورة ولده أو على خلقه كان كلامًا فاسدًا بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق وما يقوم مقامه، مثل أن يقال الوالد يشبه ولده فإن هذا سائغ لأن قوله خلق إخبار عن تكوينه وإبداعه على مثال غيره ومن الممتنع أن الأول يكون على مثال ما لم يكن بعد وإنما يكون على مثال ما قد كان.
السادس: أنه إذا كان المقصود أن هذا المضروب والمشتوم يشبه آدم فمن المعلوم أن هذا من الأمور الظاهرة المعلومة للخاص والعام، فلو أريد التعليل بذلك لقيل فإن هذا يدخل فيه الأنبياء إذ كان هذا يدخل فيه آدم ونحو ذلك من العبارات التي تبين قبح كلامه وهو اشتمال لفظه على ما يعلم هو وجوده. أما مجرد إخباره بما يعلم وجوده كل أحد فلا يستعمل في مثل هذا الخطاب.
السابع: أنه إذا أريد مجرد المشابهة لآدم وذريته لم يحتج إلى لفظ خلق على كذا فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما فطر على مثال غيره بل يقال أن وجهه يشبه وجه آدم أو فإن صورته تشبه صورة آدم.
الثامن: أن يقال مثل هذه العلة تصلح لقوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك» فكيف يصلح لقوله: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» ومعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم لا
[ ٦٦ ]
توجب سقوط العقوبة عنه فإن الإنسان لو كان يشبه نبيًا من الأنبياء أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة لم تسقط عقوبته لهذا الشبه باتفاق المسلمين فكيف يجوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم.
التاسع: أن في ذرية آدم من هو أفضل من آدم وتناول اللفظ لجميعهم واحد فلو كان المقصود بالخطاب ليس به ما يختص آدم من ابتداء خلقه على صورة بل المقصود مجرد مشابهة المضروب المشتوم له لكان ذكر سائر الأنبياء والمرسلين بالعموم هو الوجه وكان تخصيص غير آدم بالذكر أولى كإبراهيم وموسى وعيسى وإن كان آدم أباهم فليس هذا المقام مقامًا له به اختصاص على زعم هؤلاء.
العاشر: وهو قاطع أيضًا أن يقال كون الوجه يشبه وجه آدم هو مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم ويده تشبه يده ورجله وبطنه وظهره وفخذه وساقه يشبه ظهره وبطنه وفخذه وساقه فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك فلو صح أن يكون هذا علة لمنع الضرب لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم، وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء في الجهاد للكفار والمنافقين وإقامة الحدود مع كونها مشابهة لأعضاء آدم وسائر النبيين دليل على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه ولا غيره لأجل هذه المشابهة.
الوجه الحادي عشر: أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم لنهي أيضًا عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء، لا يقولن أحدكم قطع الله يدك ويد من أشبه يدك.
الوجه الثاني عشر: أن ما ذكره من تأويل ذلك بأنه إبطال لقول من
[ ٦٧ ]
يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال إنه كان عظيم الجثة طويل القامة وأن النبي ﷺ أشار إلى إنسان معين وقال: «إن الله خلق آدم على صورته». أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت البتة. يقال لهم الحديث المتفق عليه في الصحيحين مناقض لهذا التأويل مصرح فيه بأن خلق آدم أعظم من صور بنيه بشيء كثير وأنه لم يكن على شكل أحد من أبناء الزمان كما في الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم قال فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» قال في رواية يحيى بن جعفر ومحمد بن رافع «على صورته» فهذا الحديث الذي هو أشهر الأحاديث التي فيها أن الله خلق آدم على صورته، ذكر فيه أن طوله ستون ذراعًا وأن الخلق لم يزل ينقص حتى الآن وأن أهل الجنة يدخلون الجنة على صورة آدم، ولم يقل إن آدم على صورتهم، بل قال هم على صورة آدم. وقد روي أن عرض أحدهم سبعة أذرع. فهل في تبديل كلام الله ورسوله أبلغ من هذا أن يجعل ما أثبته النبي ﷺ وأخبر به وأوجب التصديق به قد نفاه وأبطله وأوجب تكذيبه وإبطاله.
الوجه الثالث عشر: أنه قد روي من غير وجه «على صورة الرحمن».
[ ٦٨ ]