وذكر عوده إلى آدم، وتأول عوده إلى الله على إضافة الخلق فقال: باب ذكر أخبار رويت عن النبي ﷺ تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها ففتن عالمًا من أهل الجهل والعناد حملهم الجهل بمعنى الخبر على القول بالتشبيه جل عز عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل وجهه والذي وصفه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه، حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال حدثنا شعيب يعني بن الليث حدثنا الليث عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يقولن أحدكم لأحد قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته»، حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» وحدثنا بندار حدثنا يحيى بن سعيد حدثني ابن عجلان قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه».
قال أبو بكر ابن خزيمة ليس في خبر ابن عجلان أكثر من هذا. ومعنى هذا أن يحيى بن سعيد القطان الإمام رواه عن ابن عجلان عن المقبري كما رواه الليث وغيره. ورواه أيضًا عنه عن أبيه عن أبي هريرة لكن يذكر إحدى الجملتين فقط وكان عند ابن عجلان الحديث عن المقبري وعن أبيه. وقد رواه البخاري في صحيحه من طريق مالك عنه مختصرًا، فقال البخاري: «باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه حدثنا محمد بن عبد
[ ٥٦ ]
الله قال: حدثنا ابن هب حدثني مالك بن أنس قال: وأخبرني ابن فلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال البخاري: وحدثني محمد (١) قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» وقد روى البخاري ومسلم الحديث في خلق آدم بطوله (٢).
ثم قال ابن خزيمة: توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله على صورته يريد صورة الرحمن ﷿ عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله: «خلق آدم على صورته» الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب والمشتوم، أراد ﷺ أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب والذي قبح وجهه فزجر ﷺ أن يقول ووجه من أشبه وجهك لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك كان مقبحًا وجه آدم صلوات الله عليه الذي وجوه بنيه شبيهة بوجه أبيهم، فتفهموا رحمكم الله تعالى معنى الخبر لا تغلطوا ولا تغلطوا فتصدوا عن سواء السبيل وتحملوا القول بالتشبيه الذي هو ضلال.
قال وقد رويت في نحو هذا لفظة أغمض من اللفظة التي ذكرناها في خبر أبي هريرة وهو ما حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رياح عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقبحوا الوجه فإن ابن
_________________
(١) قوله وحدثني محمد، كذا في المخطوطة والصواب عبد الله بن محمد وهو المسندي.
(٢) تقدم الحديث في ص٦.
[ ٥٧ ]
آدم خلق على صورة الرحمن» قال: وروى الثوري هذا الخبر مرسلًا غير مسند حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن».
قال أبو بكر: وقد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء عالم ممن لم يتحر العلم وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في ذلك غلطًا بينًا وقالوا مقالة شنيعة مضاهية لقول المشبهة، أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم.
قال والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من جهة النقل موصولًا فإن للخبر عللًا ثلاثًا، إحداهن: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسل الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية: أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضًا مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء، سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش قال: قال حبيب بن أبي ثابت: لو حدثني رجل عنك بحديث لم أبال أن أرويه عنك: يريد لم أبال أن أدلسه. قال أبو بكر: ومثل هذا الخبر لا يكاد يثبت عند أهل الأثر لاسيما إن كان الخبر في مثل هذا الجنس فيما يوجب العلم لو ثبت لا فيما يوجب العمل بما قد يستدل على صحته وثبوته بدلائل من نظر وتشبيه وتمثيل بغيره من سنن النبي ﷺ من طريق الأحكام والفقه.
[ ٥٨ ]
قال فإن صح هذا الخبر مسندًا بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت وحبيب بن أبي ثابت قد سمعه من عطاء بن أبي رباح وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه لأن الخلق مضاف إلى الرحمن إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها، ألم تسمع قوله ﷿: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، فأضاف الله الخلق إلى نفسه إذ الله تولى خلقه، وكذلك قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤]، فأضاف الله الناقة إلى نفسه وقال: ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤]، وقال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، وقال: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾ [الأعراف: ١٢٨]، فأضاف الأرض إلى نفسه إذ الله تولى خلقها وبسطها، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فما أضاف الله إلى نفسه على معنيين. أحدهما: إضافة الذات. والآخر: إضافة الخلق. فتفهموا هذين المعنيين لا تغالطوا.
قال فمعنى الخبر إن صح من طريق النقل مسندًا فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح قال الله جل وعلا: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ (١) صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، والدليل على صحة هذا التأويل أن أبا موسى محمد بن المثنى قال: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعًا» حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما أنبأنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث،
_________________
(١) كذا في المخطوطة والصواب ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾.
[ ٥٩ ]
وقال قال رسول الله ﷺ: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا فلما خلقه قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال: فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعًا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن».
قال أبوبكر فصورة آدم هي ستون ذراعًا التي أخبر النبي ﷺ أن آدم خلق عليها لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم فظن أن قوله على صورته على صورة الرحمن صفة من صفات ذاته ﷿ عن أن يوصف بالذرعان والأشبار قد نزه الله نفسه عن صفات المخلوقين فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وهو كما وصف نفسه في كتابه على لسان نبيه لا كصفات المخلوقين من الحيوان ولا من الموتان كما شبه الجهمية معبودهم بالموتان ولا كما شبه الغالية من الرافضة معبودهم ببني آدم، قبح الله هذين القولين وقائلهما، حدثنا أحمد بن منيع ومحمود بن خداش قالا أخبرنا أبو سعد الصاغاني قال: حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا: لرسول الله ﷺ: انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١]، قال: ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء، وقال ابن خداش في حديثه: (فالصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا يموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله لا يموت ولا يورث) والباقي مثل لفظ ابن منيع.
هذا مجموع ما ذكره ابن خزيمة.
[ ٦٠ ]