والأجسام بالعلم والقدرة إن أراد به امتيازه عن بنيه فليس كذلك، وان أراد به امتيازه عن الملائكة والجن فهو لم يتميز بنفس العلم والقدرة فإن الملائكة قد تعلم ما لا يعلمه آدم كما أنها تقدر على ما لا يقدر عليه، وان كان هو أيضًا علمه الله ما لم تكن الملائكة تعلمه لاسيما عند جهور الجهمية من المعتزلة والمتفلسفة ونحوهم، الذين يزعمون أن الملائكة أفضل من الأنبياء وهو أحد أقوال المؤسس (١)، وسواء كان الأنبياء أفضل أو الملائكة فلا ريب أنه لم يتميز أحدهما عن الآخر بجنس العلم والقدرة لكن بعلم خاص وقدرة خاصة.
وأيضًا فأهل السنة الذين يقولون الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة لا يقولون إنهم خلقوا على صفة الكمال التي هم بها أفضل من الملائكة، بل يقولون إن الله ينقلهم من حال إلى حال حتى يكونوا في نهايتهم أفضل من الملائكة في نهايتهم، فقد ثبت باتفاق الطوائف أن آدم لم يخلق على صفة من العلم والقدرة وامتاز بها عن سائر الأشخاص والأجسام، بل في الأشخاص والأجسام من كان امتيازه عن آدم بالعلم والقدرة أكثر.
الوجه الثالث أن يقال المشاركة في بعض الصفات واللوازم البعيدة إما أن يصح (٢) قول القائل إن الله خلق ذلك الموصوف على صورة الله أو لا يصحح ذلك، فإن لم يصحح ذلك بطل قولك إن خلق آدم على هذه الصفات التي جعلتها بعض اللوازم يصحح قوله: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وإن كانت تلك المشاركة تصحح هذا
_________________
(١) المؤسس هو الرازي، يراجع التعليق في حاشية ص٦٩.
(٢) قوله يصح، كذا هو في المخطوطة، ولعله يصحح.
[ ٨٧ ]
الإطلاق صح أن يقال إن الله خلق كل ملك من الملائكة على صورته. بل خلق كل حي على صورته، بل ما من شيء من الأشياء إلا وهو يشاركه في بعض اللوازم البعيدة ولو أنه بالقيام بالنفس وحمل الصفات، فيصح في كل جسم وجوهر أن الله خلقه على صورته على هذا التقدير.
الوجه الرابع أن لفظ الحديث: «إذا قاتل أحدكم أو ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» فنهى عن ضرب الوجه لأن الله خلق آدم على صورته، فلو كان المراد مجرد خلقه عالمًا قادرًا ونحو ذلك لم يكن للوجه بذلك اختصاص بل لا بد أن يريد الصورة التي يدخل فيها الوجه.
الوجه الخامس الحديث الآخر: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» فنهى عن تقبيح الوجه المشبه لوجه آدم لأن الله خلق آدم على صورته. وهذا يقتضي أنه نهى عن ذلك لتناوله لله وأنه أدخل وجه ابن آدم فيما خلقه الله على صورته.
فإن قيل هذا تصريح بأن وجه الله يشبه وجه الإنسان كما ورد «صورة الإنسان على صورة الرحمن».
فالجواب أن هذا أيضًا لازم للمنازع ولهذا أورده وأجاب عنه فقال: فإن قيل: المشاركة في صفات الكمال تقتضي المشاركة في الإلهية.
قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المشاركة في الإلهية، قال: ولهذا المعنى قال الله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى﴾ وقال: ﷺ «تخلقوا بأخلاق الله».
ومن المعلوم أن المشابهة والمشاركة في صفات الكمال التي هي
[ ٨٨ ]