وأختم الكتاب بذكر جواب للعلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين أحد الأفذاذ من العلماء في البلاد النجدية في أثناء المائة الثالثة عشرة من الهجرة وكانت وفاته في سابع جمادى الأولى من سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف رحمه الله تعالى. وهذا نص السؤال:
ما يقول العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين في حديث «خلق الله آدم بيده على صورته» هل الكناية في قوله على صورته راجعة إلى آدم وأن الله خلقه على الصورة التي خلقه عليها أم لها
[ ١٢٧ ]
معنى وتأويل غير ذلك أجيبوا أدام الله النفع بعلومكم وابسطوا الجواب أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه.
الجواب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) رحمه الله تعالى قال: هذا الحديث المسؤل عنه ثابت في صحيحي البخاري ومسلم عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا».
وفي بعض ألفاظ الحديث: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته».
قال النووي هذا من أحاديث الصفات ومذهب السلف أنه لا يتكلم في معناه بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى مع اعتقادنا أن ليس كمثله شيء انتهى.
وقال بعض أهل التأويل الضمير في قوله صورته راجع إلى آدم وقال بعضهم الضمير راجع على صورة الرجل المضروب ورد هذا التأويل بأنه إذا كان الضمير عائدًا على آدم فأي فائدة في ذلك إذ ليس يشك أحد أن الله خالق كل شيء على صورته وأنه خلق الأنعام والسباع على صورها فأي فائدة في الحمل على ذلك.
ورد تأويله بأن الضمير عائد على ابن آدم المضروب بأنه لا فائدة فيه إذ الخلق عالمون بأن آدم خلق على خلق ولده وأن وجهه كوجوههم.
ويرد هذا التأويل كله بالرواية المشهورة «لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن» وقد نص الإمام أحمد على صحة الحديث وإبطال هذه التأويلات فقال في رواية إسحاق بن منصور «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» صحيح.
[ ١٢٨ ]
وقال في رواية أبي طالب من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟ وعن عبد الله ابن الإمام أحمد قال: قال رجل لأبي إن فلانًا يقول في حديث رسول الله ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته» فقال على صورة الرجل فقال أبي كذب، هذا قول الجهمية وأي فائدة في هذا.
وقال أحمد في رواية أخرى فأين الذي يروى «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وقيل لأحمد عن رجل إنه يقول على صورة الطين فقال هذا جهمي وهذا كلام الجهمية. واللفظ الذي فيه على صورة الرحمن رواه الدارقطني والطبراني وغيرهما بإسناد رجاله ثقات قاله ابن حجر عن ابن عمر عن النبي ﷺ وأخرجها ابن أبي عاصم عن أبي هريرة مرفوعًا قال: «من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن» وصحح إسحاق بن راهويه اللفظ الذي فيه على صورة الرحمن وأما أحمد فذكر أن بعض الرواة وقفه على ابن عمر وكلاهما حجة.
وروى ابن مندة عن ابن راهويه قال قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن آدم خلق على صورة الرحمن» وإنما علينا أن ننطق به قال القاضي أبو يعلى والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يزيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور كما أطلقنا تسمية ذات ونفس لا كالذوات والأنفس.
وقد نص أحمد في راية يعقوب بن بختان قال خلق آدم على صورته لا نفسره كما جاء الحديث وقال الحميدي لما حدث بحديث «إن الله خلق آدم على صورته» قال لا تقول غير هذا على التسليم
[ ١٢٩ ]
والرضى بما جاء به القرآن والحديث ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث وقال ابن قتيبة الذي عندي والله أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين.
وإنما وقع الإلف لمجيئها في القرآن ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن ونحن نؤمن بالجميع هذا كلام ابن قتيبة وقد ثبت في الصحيحين قوله ﷺ: «فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون - وفي لفظ آخر صورته التي يعرفون - فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيعرفونه» الحديث فالذي ينبغي في هذا ونحوه إمرار الحديث كما جاء على الرضا والتسليم مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير والله سبحانه أعلم انتهى جواب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين رحمه الله تعالى وهو مع اختصاره مفيد جدًا (١).
_________________
(١) قد طبع جواب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في صفحة ٢٢١ - ٢٢٣ من الجزء الثاني من «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» المطبوعة بمطبعة المنار بمصر في سنة ١٣٤٤ هـ بأمر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله تعالى وعلى نفقته. وقد وزع على العلماء وطلبة العلم. ثم طبع أيضا ضمن كتاب «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» جمع الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم رحمه الله تعالى. وهو في صفحة ١٣٦ - ١٣٧ من الجزء الثالث من المجلد الأول، وقد طبع في مطبعة أم القرى سنة ١٣٥٢ هـ بأمر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله تعالى، وفي أول الكتاب تقاريظ لأكابر العلماء في المملكة العربية السعودية، وهم الشيخ محمد ابن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ عبد الله ابن عبد العزيز العنقري رحمهم الله تعالى، وقد أثنى كل منهم على الكتاب =
[ ١٣٠ ]
فليتأمله الذين فتنوا بتأويل حديث الصورة وعلقت بقلوبهم شبهات أهل الكلام الباطل وأقوالهم المنحرفة في تأويل الحديث بما يوافق
_________________
(١) = ثناء حسنًا. وذكر الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في مقدمة الكتاب أنه قد أعانه عليه الشيخ محمد بن إبراهيم وأنه حرره وهذبه وأنه أعاده وأبداه عليه وكرر عليه الفقه والأصول وغيرها مرارا .. وذكر أيضا أنه قرأ أكثره على الشيخ محمد بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن حمد بن عتيق والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري رحمهم الله تعالى. وقد وزع هذا الكتاب على العلماء وطلبة العلم. ثم طبع أيضا في سنة ١٣٨٥ هـ في مطابع المكتب الإسلامي بأمر الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى وهو في صفحة٣١٤ - ٣١٥، من الجزء الثالث من كتاب «الدرر السنية» وهو من مطبوعات دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية تحت رئاسة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وقد وزع بأمره على العلماء وطلبة العلم، ثم طبعته دار الإفتاء أيضًا في سنة ١٣٨٨ هـ في مطابع شركة المدينة للطباعة والنشر بجدة ووزع بأمر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى على العلماء وطلبة العلم. «تنبيه» لم يذكر عن أحد من أكابر العلماء النجديين أنه أنكر شيئًا مما قرره الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في جوابه عن حديث الصورة، لا من كان منهم معاصرًا للشيخ ولا من كان بعد زمانه إلى زماننا. بل إنهم كانوا متفقين على إثبات الحديث وإمراره كما جاء، وإنما ظهر الخلاف في زماننا من بعض الوافدين إلى المملكة العربية السعودية من البلاد التي قد فشت فيها البدع وظهرت فيها أقوال أهل الكلام الباطل في تأويل آيات الصفات وأحاديث الصفات وصرفها عن ظاهرها. وقد حصل من بعضهم نفور شديد وامتعاض قبيح من بيان مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان في حديث الصورة وأنهم متفقون على الإيمان به وإمراره كما جاء من غير تأويل مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء. وقد أكثر المشار إليه من الشغب والصخب واللجاج والسعي بالفساد لينصر ما هو مفتون به من إعادة الضمير في حديث الصورة إلى غير الله. وقد نص الإمام أحمد على أن إعادة الضمير فيه إلى آدم هو قول الجهمية. وقال أيضًا في إعادة الضمير إلى المضروب أنه قول الجهمية. وقد تقدم كلامه في صفحة ١٥ وصفحة ١٧ فليراجع. وليراجع أيضًا قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية في حديث الصورة أنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة وأنه لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله. قال وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك. وقال أيضًا إن الأمة اتفقت على تبليغه وتصديقه. ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى. حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم. ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة، وقد تقدم كلام الشيخ في صفحة ٥٤ وصفحة ٥٥ فليراجع ففيه أبلغ رد على المخالفين الذين شق عليهم بيان مذهب أهل السنة في حديث الصورة.
[ ١٣١ ]
أقوال الجهمية. وكان الواجب عليهم أن يقابلوا الحديث بالرضا والتسليم وأن يمروه كما جاء من غير تأويل مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فهذه طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان في هذا الحديث وفي غيره من آيات الصفات وأحاديث الصفات. ولقد أحسن الراجز حيث يقول:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
وهذا آخر ما تيسر إيراده والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١٣٢ ]
وقد كان الفراغ من كتابة هذا الكتاب في يوم الخميس الموافق لليوم الرابع عشر من شهر ربيع الثاني سنة ١٤٠٦ هـ على يد كاتبه الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود التويجري غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ١٣٣ ]